حرام أن تقصف الجغرافيا التي أبدعتها الطبيعة

بقلم عبد الله شوك, كاتب وصحافي-المغرب

منذ أن عرف الإنسان كيف يشحذ السيف، وهو يحاول أن يقنع نفسه بأن الحرب قدر لا مفر منه. ومنذ أن اخترع البارود، ثم المدفع، ثم الصاروخ، ثم القنبلة النووية، لم يتوقف عن ترديد الأسطوانة نفسها: الحرب ضرورة. غير أن التاريخ، كلما فتح صفحاته، يجيب بجملة واحدة لا تقبل التأويل: لم تترك الحروب وراءها سوى المقابر، والخراب، وأجيالا تتوارث الندوب أكثر مما تتوارث الأوطان. ويبقى السؤال الذي يؤرق الضمير الإنساني منذ آلاف السنين: لماذا لم يتعلم الإنسان، رغم كل ما راكمه من علوم واكتشافات، كيف ينتصر للحياة بدل أن ينتصر للموت؟ كيف استطاع أن يرسل المركبات إلى المريخ، وأن يفك شيفرات الجينات، وأن يبني مدنا ذكية، لكنّه ما زال عاجزا عن بناء سلام دائم بين بني جنسه؟

لقد دخل العالم القرن الحادي والعشرين وهو يتغنى بالعولمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لكنه ما لبث أن وجد نفسه أسيرًا لمنطق القوة، حيث ما تزال لغة المدافع أحيانا أعلى من لغة الدبلوماسية، وحيث تتحول الجغرافيا إلى رقعة شطرنج، وتتحول الشعوب إلى أرقام في نشرات الأخبار. ولعل الحرب الروسية الأوكرانية تمثل إحدى أكثر صور هذا الواقع تعقيدا. فهي ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين جارتين، بل صراع تتداخل فيه اعتبارات الأمن، والنفوذ، والتاريخ، والهوية، والطاقة، والموقع الجيوسياسي، كما تتشابك فيه مصالح قوى دولية كبرى، ما جعل آثارها تتجاوز حدود روسيا وأوكرانيا لتطال أسواق الغذاء والطاقة، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي بأسره.

وفي المقابل، يبقى الثابت أن ضحايا الحرب، في نهاية المطاف، هم المدنيون الذين يدفعون الثمن الأكبر، وأن الأرض نفسها تتحمل نصيبًا من هذا الخراب؛ إذ تتحول الحقول إلى ساحات قتال، والغابات إلى خطوط تماس، والقرى إلى أنقاض. ولذلك، فإن أكثر ما يبعث على الأسى ليس فقط سقوط القذائف، بل سقوطها فوق واحدة من أجمل بقاع أوروبا الشرقية. هناك، حيث تمتد السهول بلا نهاية، وتتماوج حقول القمح كأنها بحر ذهبي، وتنساب الأنهار بين الغابات، وتتعانق الفصول مع الطبيعة في لوحة رسمتها الجغرافيا بإتقان نادر، كان ينبغي أن تتجه كاميرات العالم لتصوير مواسم الحصاد، لا أعمدة الدخان. كانت تلك الأرض خلقت لتحتضن السنابل، فإذا بها تحتضن الخنادق. وخلقت لتسمع زقزقة الطيور، فإذا بها تصغي إلى هدير الطائرات. وخلقت لتستقبل السائحين، فإذا بها تستقبل الدبابات.

إنّها مأساة الإنسان حين يحول الفردوس إلى جبهة، والحديقة إلى ميدان نار. ولا يقتصر أثر الحروب على الخرائط والسياسة، بل يمتد إلى البيئة أيضا. فالقصف والحرائق والتلوث وتدمير البنية الزراعية يخلّف آثارا قد تستغرق سنوات، وربما عقودا، قبل أن تتعافى منها الأرض، بينما تبقى معاناة السكان والنزوح وفقدان الأحبة من أكثر الجوانب قسوة في أي نزاع. وعلى امتداد العقود الماضية، لم يكد العالم يعرف فترة يخلو فيها من الحروب. فمن الحربين العالميتين اللتين أحرقتا البشرية في القرن العشرين، إلى نزاعات إقليمية لا تنتهي، مرورا بالمآسي التي عاشها ويعيشها المدنيون في غزة، وسواها من بؤر التوتر، يبدو أنّ الإنسانية ما تزال تدفع ثمن إخفاقها في جعل الحوار يسبق السلاح.

وربما تكمن المعضلة الكبرى في أنّ العالم يملك من الموارد ما يكفي لإطعام الجائعين، ومعالجة المرضى، وتعليم الأطفال، وحماية البيئة، لكنه ينفق في الوقت نفسه مئات المليارات على سباقات التسلح، وكأنّ صناعة الموت ما تزال، في كثير من الأحيان، أكثر ربحا من صناعة الحياة. إنّ البشرية لا تحتاج إلى مزيد من الصواريخ بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الحكماء. ولا تحتاج إلى مصانع للأسلحة أكثر مما تحتاج إلى مدارس، ومستشفيات، ومختبرات، وحقول قمح.

فالسّلام ليس شعارا شاعريا، بل هو أعظم مشروع حضاري يمكن أن تستثمر فيه الأمم، لأنّه وحده القادر على أن يحفظ الإنسان، ويصون الطبيعة، ويمنح الأجيال القادمة حقها في أن ترى الأرض كما خلقها الله: فضاء للحياة، لا ساحة للحروب. ويبقى الأمل، رغم كل شيء، في أن تنتصر الحكمة على الانفعال، والدبلوماسية على المدافع، والإرادة السياسية على منطق الاستنزاف. فالحروب قد تفرض واقعا بالقوة لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع أن تفرض سلاما دائما، لأنّ السلام الحقيقي لا يولد من فوهات البنادق، بل من قناعة راسخة بأن الإنسان، أيا كانت لغته أو قوميته أو دينه، يستحق أن يعيش آمنا فوق هذه الأرض. فما أجمل أن تتنافس الدول في بناء الجسور بدل هدمها، وفي إنتاج القمح بدل البارود، وفي تصدير المعرفة بدل الدبابات، حتى تستعيد الطبيعة حقها في أن تكون جنة للإنسان… لا ميدانا للموت.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *