أساطير رياضيون خرجوا من رحم المعاناة

بقلم عبد الله شوك, كاتب وصحافي-المغرب

لا تولد الأساطير في الجنان، ولا تصنعها الوفرة وحدها، بل كثيرا ما تتشكل في الأزقة الضيقة، وتنمو بين الجدران المتشققة، وتشتد عودها تحت وطأة الحرمان، حتى يصبح الألم نفسه مدرسة، والفقر وقودا للإرادة. وما يراه الناس اليوم من أضواء الشهرة، وبريق الكؤوس، وصور النجوم وهم يعتلون منصات التتويج، ليس سوى الفصل الأخير من رواية طويلة، كتبت فصولها الأولى بمداد المعاناة، وسُطرت صفحاتها بالعرق والدموع والصبر. فالجمهور، في الغالب، لا يرى من الرياضي إلا لحظة المجد؛ لا يرى الميدالية وهي تتشكل في ليال طويلة من الجوع، ولا الكأس وهي تصنع من خيبات متتالية، ولا التصفيق الذي سبقته سنوات من الصمت والكفاح. فبين الطفل الذي كان يحلم بحذاء رياضي، والرجل الذي يعتلي عرش البطولات، مسافات لا تقاس بالكيلومترات، وإنّما بالإرادة التي لا تنكسر.

ولعلّ التاريخ الرياضي، في المغرب كما في العالم، زاخر بنماذج تؤكد أن أعظم الأبطال لم يولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، وإنما خرجوا من بيوت متواضعة، حملت الفقر بصبر، وربّت أبناءها على أنّ الكرامة لا تشترى، وأن النجاح لا يورث، بل ينتزع انتزاعا. ومن بين تلك النماذج الخالدة، يبرز اسم الأسطورة المغربية سعيد عويطة، العداء الذي جعل اسم المغرب يتردد في أكبر المضامير العالمية، وكتب اسمه بحروف من ذهب في سجل ألعاب القوى. لم يكن عويطة مجرد بطل يسبق منافسيه إلى خط النهاية، بل كان ظاهرة رياضية استثنائية، حطم الأرقام القياسية العالمية، وأحرز الذهب الأولمبي والعالمي، حتى أصبح أيقونة رياضية تجاوز صيتها حدود الوطن.

ولم يكن غريبا أن يقول في حقه المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، ذات يوم، إن اسم سعيد عويطة أصبح معروفا في العالم أكثر من اسم الملك الحسن الثاني؛ وهي شهادة تختزل حجم الأثر الذي صنعه هذا البطل في زمن كانت الرياضة المغربية تعلن حضورها بقوة على الساحة الدولية. لكن وراء تلك الأمجاد قصة أخرى، لا ترويها الميداليات. قصة طفل نشأ وسط أسرة كبيرة، كانت تتقاسم غرفة واحدة بمدينة فاس مع أسرة أخرى، في ظروف معيشية بالغة القسوة. وفي شهادة مؤثرة خلال برنامج “اللعب مع الكبار”، لم يستطع سعيد عويطة أن يمنع دموعه وهو يستعيد طفولته، حين تحدث عن أيام كان يمر فيها يومان كاملان من دون أن يجد قطعة خبز يسد بها جوعه. كانت دموع البطل، يومها، أبلغ من الكلمات، لأنّها كشفت أن أسرع رجل في المضمار، حمل في داخله طفلا لم ينسَ مذاق الحرمان.

وعلى بعد آلاف الكيلومترات من المغرب، تتكرر الحكاية بلغة أخرى، لكن بالمشاعر نفسها. إنّه الكوستاريكي كيلور نافاس، الحارس الأسطوري الذي دافع عن عرين ريال مدريد، وأسهم في تحقيق ثلاث بطولات متتالية لدوري أبطال أوروبا، ووقف في وجه أعظم مهاجمي العالم بثبات الأبطال. غير أن نافاس، قبل أن يصبح أحد أشهر حراس المرمى في العالم، كان طفلا فقيرا يعيش مع أسرته ظروفا قاسية. وفي إحدى شهاداته الإعلامية، استعاد أكثر تفاصيل طفولته وجعا، حين قال إنه كان يعشق شرب الحليب، لكنه نادرا ما كان يجده، وكان ينتظر والدته، التي كانت تعمل خادمة في البيوت، لعلها تعود بما يروي شوقه إلى كأس حليب. ولم ينس نافاس ذلك المشهد وهو في ذروة المجد، بل قال إن ثلاجته اليوم لا تخلو أبدا من الحليب، لا لأنه يحتاج إليه فقط، وإنّما لأنه يرفض أن يعود ذلك الطفل المحروم إلى الانتظار مرة أخرى.

إنها تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تكشف أن الإنسان قد ينسى أنواع السيارات التي اقتناها، والمنازل التي سكنها، لكنه لا ينسى رغيفا افتقده، ولا كأس حليب حرم منه في طفولته. وهكذا، فإن القيمة الحقيقية لهؤلاء الأبطال لا تكمن في عدد الميداليات التي علقوها على صدورهم، ولا في العقود المالية التي وقعوها، ولا في الشهرة التي أحاطت بهم، وإنّما في قدرتهم على تحويل الفقر إلى طاقة، والحرمان إلى عزيمة، والانكسارات إلى انتصارات. لقد أثبتوا أن البطولة ليست موهبة فحسب، بل هي أيضا انتصار على الذات، وعلى الظروف، وعلى اليأس. وأن أعظم الميداليات لا تصنع من الذهب، وإنما تصنع من الصبر، والإصرار، والإيمان بأن الأحلام لا تعترف بمكان الميلاد، ولا بحجم الفقر، ولا بضيق البيوت. فكم من طفل ينام الليلة على وسادة من تعب، ولا يعلم أن الأيام قد تخبئ له منصة تتردد فوقها الأناشيد الوطنية، وأن العالم الذي لا يراه اليوم، قد يقف غدًا احترامًا له. تلك هي الرسالة الخالدة التي يتركها العظماء وراءهم: ليس الفقر قدرا أبديا، وإنما قد يكون أول خطوة في طريق المجد، إذا امتلك الإنسان حلما لا ينكسر، وإرادة لا تعرف المستحيل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *