حين يسقط المعنى وتتيه البوصلة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست الأزمات الكبرى التي يعيشها الإنسان المعاصر حروبا تشتعل على حدود الجغرافيا، بل حروبا تنشب في خرائط المعنى. فالأمم لا تنهار حين تتداعى أسوارها، وإنما حين تتشقق المرايا التي كانت ترى بها نفسها. وما يبدو اليوم انفلاتا أخلاقيا أو ارتباكا في الهوية أو سيولة في المفاهيم ليس إلا وجها متأخرا لزلزال أعمق أصاب الفكرة التي كانت تمنح العالم مركزه. لقد عاش الإنسان قرونا طويلة وهو يدور حول نقطة ثابتة، سواء كانت إلها أو حقيقة أو عقلا أو تقليدا أو نصا أو أمة. وكانت الأشياء تستمد معناها من قربها أو بعدها عن ذلك المركز. غير أن الحداثة لم تكتف بإعادة ترتيب العالم، بل شرعت في تفكيك مركزه نفسه، حتى صار الكون أشبه بكرة من الزئبق لا تستقر على هيئة، ولا تستجيب لقبضة.

لم يكن إعلان نيتشه موت الإله مجرد عبارة استفزازية، بل كان تشخيصا للحظة حضارية شعر فيها بأن السماء لم تعد المرجع الذي يفسر الأرض. ولم يكن رولان بارت حين أعلن موت المؤلف يكتب عن الأدب وحده، بل كان يعلن أن الصوت الذي كان يمنح الأشياء معناها لم يعد يحتكر الحقيقة. وبين الإعلانين يمتد خيط خفي لا يربط شخصين، بل يربط عصرين. عصر كانت الحقيقة تنزل من أعلى، وعصر صارت الحقيقة تتشكل في مرايا لا تنتهي. منذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يبحث عن الحقيقة، بل صار يبحث عن تأويل جديد للحقيقة. ثم لم يلبث أن استغنى عن الحقيقة نفسها، مكتفيا بتعدد التأويلات. وهكذا لم تعد اللغة بيت الوجود كما حلم هيدغر، بل تحولت إلى متاهة من الممرات، كل باب فيها يفضي إلى باب، وكل معنى يلد معنى ينقضه.

كان القدماء يختلفون حول الطريق المؤدي إلى الحقيقة، أما الإنسان المعاصر فأصبح يختلف حول وجود الطريق أصلا. ولذلك لم تعد الأزمة أزمة أفكار، بل أزمة يقين. ولم يعد السؤال ماذا نعرف، وإنما لماذا نصدق أن المعرفة ممكنة. إن الحضارة التي فقدت مركزها تشبه مجرة انفجرت شمسها. لا تختفي الكواكب، لكنها تفقد مدارها. تبقى الأجسام موجودة، غير أنها تتصادم لأنها لم تعد تعرف الجاذبية التي كانت تحفظ المسافات بينها. وهكذا حدث للقيم. لم تمت دفعة واحدة، وإنما فقدت جاذبيتها. وما إن فقدت الجاذبية حتى أصبح الخير والشر كجسمين يطفوان في الفراغ، يتبادلان المواقع بحسب زاوية النظر لا بحسب معيار ثابت.

ولذلك يبدو عالمنا اليوم مزدحما بالحرية وفقيرا إلى المعنى. فالحرية حين تنفصل عن الغاية تتحول إلى حركة بلا اتجاه، تماما كما أن السفينة لا تصبح أكثر أمنا إذا قطعت حبال المرسى وسط العاصفة. ليست كل القيود سجونا، كما أن إزالة كل الجدران لا تبني مدينة، بل تتركها نهبا للريح. لقد دخل الإنسان عصر السيولة حتى لم يعد الماء أكثر سيولة من المفاهيم. الهوية تذوب، والأسرة يعاد تعريفها، واللغة تغير جلدها، والذاكرة تستبدل أرشيفها كل صباح. وما كان بالأمس يقينا صار اليوم رأيا، وما كان رأيا صار غدا حقا مكتسبا. إننا لا نعيش تبدل المفاهيم، بل نعيش تبخرها. ولعل أخطر ما في هذا العصر أن الإنسان لم يعد يهدم الأصنام ليبحث عن الحقيقة، بل صار يهدمها لأنها أصنام، ثم يجلس في المعبد الخالي محتفلا بالفراغ. لقد تحولت عملية التفكيك من أداة للكشف إلى غاية قائمة بذاتها. وأصبح الهدم فضيلة حتى لو لم يعقبه بناء، والشك قيمة حتى لو لم يقُد إلى معرفة.

هكذا ولدت حضارة المرايا. كل فرد يحمل مرآته الخاصة، وكلّ مرآة تدعي أنّها العالم. ولم يعد الناس يتجادلون حول الواقع، بل حول الصور المنعكسة عليه. وفي زمن المرايا يموت الأصل اختناقا بكثرة نسخه، وتصبح الصورة أصدق من الشيء، والتمثيل أقوى من الحقيقة، حتى يغدو الإنسان نفسه ظلا لما يعرضه على الشاشات. إن التقنية لم تصنع هذه الأزمة، لكنها منحتها أجنحة. فالخوارزميات لا تنتج الأفكار بقدر ما تضخمها، ولا تخلق القيم بقدر ما تعيد تدويرها بسرعة الضوء. إنها مصانع للمرايا، لا مصانع للحقائق. ولذلك أصبح الإنسان يرى انعكاساته أكثر مما يرى العالم، ويستمع إلى صدى صوته أكثر مما يصغي إلى غيره. وربما لا تكمن المأساة في أن الإنسان أعلن موت المرجعيات، بل في أنه لم يسأل نفسه ما الذي سيملأ الفراغ بعدها. فالفراغ لا يبقى فراغا. إنه يستدعي آلهة جديدة. مرة يكون السوق إلها، ومرة تكون الرغبة، ومرة تكون الشهرة، ومرة تكون الخوارزمية، حتى يغدو الإنسان وهو يظن أنه تحرر من الأصنام أكثر عبودية لأصنام لا يراها.

إنّ السؤال الحقيقي الذي يواجه عصرنا ليس كيف نحطم المراكز، بل كيف نمنع العالم من السقوط بعد تحطمها. فليس كل مركز استبدادا، كما أن ليس كل تفكيك تحررا. ولعل الحكمة التي يحتاجها الإنسان اليوم ليست العودة الساذجة إلى الماضي، ولا الارتماء الأعمى في المستقبل، بل اكتشاف مركز جديد لا يصادر العقل ولا يلغي المعنى، ولا يقدس الإنسان حتى يؤلهه، ولا يحطم المرجعية حتى يحول العالم إلى صحراء من التأويلات. ذلك أن الحضارات لا تموت حين تخسر معركة، وإنما حين تعجز عن الإجابة عن سؤال واحد بسيط في ظاهره، رهيب في جوهره: من أين يستمد الإنسان معنى وجوده إذا أصبح كل شيء قابلا للتأويل، وكل قيمة قابلة للتفاوض، وكل حقيقة مجرد وجهة نظر.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *