الحلقة الخامسة من سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي
بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب
لم يكن كيرا يشتغل في وظيفة، لكنّه كان أكثر التزاما من كثير من الموظفين. كان يبدأ يومه مع أولى ساعات الصباح، يغادر حي “سوسيكا” بالحي المحمدي، ثم يجوب الأزقة والمقاهي والأسواق، وكأنّه في مهمة وطنية عنوانها الوحيد: نشر الضحكة. لم يكن يحمل حقيبة ولا ملفا، بل كان يحمل رصيدا لا ينضب من النكت والردود الخاطفة التي جعلت منه أسطورة شعبية قبل أن يعرف الناس هذا الوصف. وحين تشتد حرارة الظهيرة، يعود إلى بيته المتواضع، ليستسلم لقيلولة يعتبرها حقا مشروعا بعد صباح طويل من إسعاد الناس. وكان حي “سوسيكا” عالما قائما بذاته. بناية مخصصة في الأصل لعمال السكك الحديدية، شققها الصغيرة متجاورة، ويجمعها سقف واحد يجعل كل صوت يرتدّ من جدار إلى آخر، حتى يبدو وكأنّ الحي كلّه يتنفس بإيقاع واحد. هناك، لم تكن الأسر تتقاسم الجوار فقط، بل كانت تتقاسم الأخبار والضحكات وحتى الأصوات.
في أحد أيام الصيف، تمدّد كيرا على فراشه، وأغمض عينيه استعدادا لقيلولة طال انتظارها. وما إن بدأ النعاس يزحف إليه، حتى شقّ سكون الحي صوت بائع متجول يدفع عربته وهو يردّد بأعلى صوته:
“ها النافيل… ها النافيل...”

كان صدى النّداء يتضاعف تحت سقف الحي، فيبدو وكأنّ عشرة باعة يتنافسون على بيع اللّيمون في اللحظة نفسها. حاول كيرا أن يتجاهل الأمر. تقلّب مرة إلى اليمين. ثمّ إلى اليسار. وسحب الغطاء فوق رأسه. لكن البائع كان أكثر عنادا من النّوم نفسه، ولا يزال يهتف بالحماس ذاته:
“ها النافيل… ها النافيل…”
عندها، استسلم كيرا لفكرة أنّ القيلولة قد أعلنت انسحابها. نهض غاضبا، وخرج من البيت بخطوات سريعة، بينما بدأ الجيران يراقبون المشهد من النوافذ، فهم يعرفون أن المواجهة مع كيرا لا يمكن أن تنتهي إلا بولادة نكتة جديدة. وقف أمام البائع، ونظر إليه بوجه يختلط فيه الغضب بالمكر، ثم قال بلهجته التي لا تخطئها أذن:
“علاش آ خويا مصدّعنا: ها النافيل… ها النافيل؟ إلا كنت فيل… سير للحديقة!”
ساد صمت قصير…ثم انفجر الحي كلّه بالضحك. حتى البائع نفسه لم يستطع مقاومة النكتة، فابتسم وهو يجر عربته مبتعدا، بعدما تحولت بضاعته من ليمون إلى قصة ستعيش أطول من أي موسم. هكذا كان كيرا. لم يكن يحتاج إلى منصة، ولا إلى جمهور منظم، ولا إلى كاميرا. كان يصنع الكوميديا من الهواء، ويقتنص النكتة من أبسط تفاصيل الحياة اليومية. في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، كان الناس هم وسيلة التواصل. تنتقل النكتة من فم إلى فم، ومن زقاق إلى آخر، حتى تصبح جزءا من ذاكرة مدينة بأكملها. ولعلّ هذا هو سر الشّخصيات الشعبية الكبرى؛ فهي لا تترك وراءها ثروات، بل تترك ما هو أبقى: ضحكة صادقة، تروى بعد عقود، وكأنها حدثت بالأمس. وهكذا، بقي “النافيل” مجرد ليمون عند البائع… لكنه عند كيرا، صار قطعة من التراث الشفهي للحي المحمدي.
📲 Partager sur WhatsApp