روسادير ـ مليليةمدينة مغربية تكتب تاريخها في طبقات التراب

بقلم نزهة بوده, باحثة في علم الأركيولوجي-باريس

ليست المدن حجارة متراصة على خرائط الجغرافيا، ولا أسماء في دفاتر المؤرخين؛ إنّما هي ذاكرة تتكاثف في المكان، وتبقى شاهدةً على من مرّوا بها، ومن أقاموا فيها، ومن جعلوا من مرافئها ومضائقها جسورا بين الحضارات. ومن هذه المدن التي اختصر فيها الموقعُ الجغرافيا، واختزنت فيها الأرض التاريخ، تبرز روسادير، التي عرفت في المصادر العربية الوسيطة باسم مليلة، المدينة المتوسطية القائمة على صخرة تشرف على البحر، عند تخوم الريف الشرقي للمغرب. مدينة لم تكن يوماً هامشاً في تاريخ المنطقة، بل كانت، بحكم موقعها، نقطة التقاء للملاحة والتجارة والهجرات والثقافات، ومرآة لتحولات المغرب المتوسطي عبر أكثر من ألفي عام. إنها مدينة تبدو صغيرة في مقياس الجغرافيا، لكنها واسعة في مقياس التاريخ.

تقف روسادير على صخرة تتقدم في البحر، في الجزء الشرقي من الريف، على مسافة تقارب خمسة وخمسين كيلومترا من مصب ملوية، جنوب شرقي شبه جزيرة كِلّية، عند الطرف الذي ينتهي إليه رأس القُرون الثلاثة. ومن هذا الموضع المرتفع كانت تطل على خليج صغير وفر لها ملاذا طبيعيا للسفن، فيما جعلها قربها من بحيرة مارتشيكا، ووقوعها في نطاق خليج كوروغو، متصلة في آن واحد بالبحر وبالداخل المغربي. ولعل هذه المفارقة الجغرافية أن تكون المدينة بحرية من دون أن تنفصل عن البر هي أحد مفاتيح فهم تاريخها كلّه. فالمدن التي تستقر عند تقاطع البحر واليابسة لا تختار تاريخها دائما؛ إذ كثيرا ما يختار البحر لها دورها. وروسادير كانت، منذ عصور مبكرة، محطة للسفن ومرفأ آمنا ومجالا للتبادل، ولذلك تعاقبت عليها جماعات وحضارات تركت في تربتها شواهدها، حتى غدت طبقاتها الأثرية أشبه بكتاب مفتوح، كل صفحة فيه تحمل أثرا من زمن مختلف.

من روسادير إلى مليلة

عرف الجغرافيون والكتّاب الإغريق واللاتينيون المدينة باسم Rusaddir، وهو الاسم الذي بقي حاضراً في المصادر القديمة، قبل أن يظهر اسم مليلة في المصادر العربية في العصر الوسيط. وليس تبدل الاسم مجرد تحول لغوي عابر؛ فالاسم الجديد جاء في سياق تاريخي جديد، حين دخلت المدينة في المجال السياسي والحضاري الإسلامي للمغرب. غير أن التراب ظل أكثر وفاء للذاكرة من الأسماء. فحتى عندما تغيرت التسميات وتبدلت السلطات، ظلت الأرض تحتفظ ببقايا العصور السابقة: فخار، وأمفورات، ونقوش، وعملات، ومقابر، وبقايا منشآت، ومواد بناء. ومن هنا تأتي أهمية علم الآثار؛ إذ إنه لا يكتفي بتأكيد ما ترويه النصوص، بل يستطيع أحيانا أن يكشف ما سكتت عنه النّصوص، وأن يعيد بناء تاريخ المكان من خلال أشياء ظلت صامتة قرونا طويلة. وقد أسهمت المكتشفات الأثرية في تثبيت الصلة بين روسادير القديمة وموقع مليلة الحالية، كما كشفت عن عمق التفاعل الذي عرفته المدينة مع محيطها المتوسطي والمغربي.

حين رسَت سفن الفينيقيين

تعود أقدم الشواهد على اتصال روسادير بالعالم الفينيقي إلى مرحلة مبكرة من الألف الأول قبل الميلاد. فالحفريات التي أجريت في بداية القرن الحادي والعشرين، ولا سيما في ساحة الأسلحة (Plaza de Armas)، كشفت عن مؤشرات على حضور فينيقي قديم يرجح أن يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. ثم جاءت مكتشفات موقع Casa del Gobernador في مليلة لتضيف إلى هذه الصورة نحو 250 قطعة من الفخار أمكن تأريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد. وليس الفخار هنا مجرد أوان مكسورة فقدت وظيفتها؛ إنّه وثيقة صامتة عن حركة البشر والبضائع والأفكار. فحين تظهر مصنوعات ذات خصائص مرتبطة بالعالم الفينيقي في موقع ساحلي كهذا، فإنها تفتح نافذة على شبكة بحرية كانت تربط سواحل المتوسط بعضها ببعض. وقد تعززت هذه الصورة بما كشفته البعثة المغربية الإيطالية، خلال سنتي 2000 و2001، في سيدي إدريس بإقليم الناظور، على مقربة من مليلة، من شواهد على الاستقرار الفينيقي. وهكذا لا تبدو روسادير نقطة منعزلة، بل جزءا من مجال أوسع كانت فيه الحركة الفينيقية تمتد من المرافئ إلى الداخل، ومن الساحل إلى المجال الاقتصادي المحيط به. لقد كان البحر، في ذلك الزمن، طريقا لا حاجزا؛ وكانت المرافئ المتوسطية حلقات في شبكة واحدة، تنتقل عبرها السلع والأواني واللغات والعادات، وربما الأفكار أيضا.

روسادير في العصر البوني

ثم دخلت المدينة طورا آخر من تاريخها مع الحضور البوني. وتكشف المكتشفات في تل سان لورينثو (Cerro San Lorenzo) عن نكروبول دفن بداخلها عدد من الموتى مع مجموعة غنية من اللقى ذات الصلة بالعالم البوني. وقد ضمت هذه المواد أواني وجِرارا صغيرة وأمفورات ذات أفواه متسعة، وأوعية صغيرة للعطور، وكؤوسا وأطباقا ومصابيح وفخاريات تحمل أحيانا علامات أو كتابات بونية. وتكتسب هذه المكتشفات قيمتها من كونها لا تقدم صورة عن الحياة اليومية فحسب، وإنّما تسمح كذلك بقراءة الطقوس الجنائزية والمعتقدات وأنماط التعامل مع الموتى. فقد وضعت بعض اللقى بعناية بالقرب من الهياكل العظمية: بعضها في الجزء العلوي من الجسد، قرب الفم أو الفقرات العنقية، وبعضها عند القسم السفلي، ولا سيما قرب القدمين. وهذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو للعين المعاصرة هامشية، تصبح في نظر عالم الآثار مفاتيح لفهم عالم اجتماعي وديني كامل.

كما أن التشابه بين عدد من هذه القطع وبين مثيلاتها المكتشفة في موقع تمودة يكشف عن صلات ثقافية وتجارية أوسع، ويضع روسادير ضمن فضاء متوسطي لم تكن حدوده السياسية الحديثة موجودة فيه. لكن المفارقة أن المقبرة، رغم ما قدمته من معلومات، لم تكشف لنا حتى الآن عن نسيج عمراني بوني واضح في جوارها المباشر. وقد جاءت الحفريات الأحدث في ساحة الأسلحة لتسد جانبا من هذا الفراغ، بعدما كشفت عن منشآت وبقايا معمارية ترجع إلى العصر البوني، ولا سيما بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد. وهنا تزداد الصورة وضوحا: لم تكن روسادير مجرد محطة يمر بها التجار، بل كانت فضاء عمرانيا واقتصاديا له بنيته ووظيفته داخل شبكة المتوسط.

العملة تتكلم

ولعل من أبلغ الشواهد على مكانة المدينة الاقتصادية ما تكشفه النقود. فالعملات المكتشفة في مليلة، بما تحمله بعض الإصدارات من الصيغة RŠ>DR، تقدم قرينة مهمة على ارتباط اسم روسادير بالمدينة القديمة، كما تكشف في الوقت نفسه عن نشاط اقتصادي وتجاري لم يكن هامشيا. فالعملة ليست مجرد معدن يحمل صورة أو كتابة؛ إنها شهادة على اقتصاد منظم، وعلى سلطة تصدرها، وعلى سوق تتداولها، وعلى مرافئ تستقبلها. وقد عُثر كذلك على إصدارات نقدية قادمة من قرطاج، من بينها ما جمع أثناء عمليات تجريف مجرى وادي فرخانة، الذي عرف لاحقا باسم ريو ديل أورو خلال الفترة الإسبانية. وبذلك تبدو روسادير، مرة أخرى، كأنها نقطة تتقاطع فيها طرق البحر والتجارة، ومكانا تتحرك فيه البضائع والنقود والأشخاص بين الضفاف المتوسطية.

ظلال روما

ثم جاء الدور الروماني، تاركا هو الآخر بصمته في طبقات الموقع. وقد كشفت التنقيبات عن مواد متعددة، من بينها القرميد الروماني المعروف باسم tegula، وأمفورات من أنماط مختلفة، ومنها نماذج مرتبطة بالسلسلتين Dressel 18 وMaña-Ramon C2b/Cintas 312، إلى جانب Dressel 1، فضلا عن أوان وأوعية من فخار خشن. ورغم أن الصورة الأثرية لا تزال تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب، فإن هذه المواد تؤكد اندماج روسادير في المجال الاقتصادي والثقافي الذي صنعه الوجود الروماني في شمال إفريقيا وحوض المتوسط. وهكذا تتعاقب الطبقات من دون أن تمحو إحداها الأخرى تماماً: الفينيقيون، ثم البونيون، ثم الرومان، ثم العصور الإسلامية. لا تختفي الذاكرة؛ إنها تتراكم.

حين دخلت المدينة زمن الإسلام

ومع التحولات الكبرى التي عرفها المغرب خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، دخلت روسادير طور جديدا من تاريخها. وفي سياق انتشار الإسلام في المغرب، يُرجّح أن تكون المدينة قد دخلت المجال الإسلامي منذ مرحلة مبكرة، قبل أن ترتبط بالدولة الإدريسية في القرن التاسع الميلادي. ثم تظهر في المصادر العربية باسم مليلة، ويبرز اسمها في سياق الصراعات السياسية التي شهدها المغرب الأقصى والمغرب الأوسط والأندلس في القرن العاشر. وفي عهد عبد الرحمن الثالث، الخليفة الأموي في الأندلس، اكتسبت المدينة أهمية استراتيجية جديدة؛ فبنيت فيها قلعة في موضع الأكروبول القديم، وأحيطت بأسوار سنة 926م، الموافق لـ314هـ، قبل أن تسند المدينة وميناؤها وأراضيها إلى موسى بن أبي العافية، زعيم مكناسة وصاحب النفوذ في فاس.

وهنا تبرز أهمية الميناء مرة أخرى؛ إذ لم تكن مليلة مجرد حصن، بل كانت بوابة بحرية تصل المجال المغربي بالأندلس. ويذكر البكري أن المدينة أعيد بناؤها في مرحلة لاحقة على يد البوري بن أبي موسى بن أبي العافية المكناسي. وظلت مليلة في القرن الحادي عشر إحدى النقاط الرئيسية لنفوذ مكناسة، إلى أن انهار نفوذهم أمام المرابطين. ثم تعاقبت عليها دول المغرب الكبرى: المرابطون، فالموحدون، فالمرينيون، قبل أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي الذي سبق الاحتلال الإسباني للمدينة سنة 1497. ومنذ ذلك التاريخ، دخلت مليلة طورا آخر، أكثر قسوة وتعقيدا، إذ تحولت المدينة إلى موضع صراع طويل بين القوى الإسبانية والمغربية.

مدينة فوق مدينة

ربما هنا تحديدا تكمن إحدى أكثر مفارقات مليلة إثارة للتأمل. فالمدينة التي حفظت لنا الأرض فيها آثار الفينيقيين والبونيين والرومان والمسلمين، شهدت بعد القرن الخامس عشر عمليات متواصلة من التحصين وإعادة البناء. أسوار جديدة ارتفعت فوق طبقات قديمة، ومنشآت عسكرية شُيدت فوق فضاءات كانت تؤدي وظائف أخرى، وتحولات عمرانية غيّرت ملامح المكان. وهكذا أصبحت مليلة، حرفيا، مدينة فوق مدينة. لكن المدينة الجديدة لم تكن دائما رحيمة بالمدينة القديمة؛ فبعض أعمال التحصين والبناء أزاح طبقات أثرية أو غيّرها، وحجب أجزاء من السجل المادي الذي كان يمكن أن يساعدنا على إعادة بناء مراحل من تاريخ روسادير القديمة ومليلة الإسلامية. إنها مفارقة مؤلمة في تاريخ المواقع الأثرية: ما يُبنى لحماية المدينة في عصر ما قد يصبح، بعد قرون، سببا في صعوبة قراءة المدينة التي كانت قبله. ومع ذلك، فإن ما بقي ليس قليلا. فمن القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر، حفظت الأرض موادا فخارية وأثرية تشهد على الحضور الإسلامي في المدينة، وتفتح أمام الباحثين بابا لإعادة قراءة تلك المرحلة التي كثيرا ما بقيت أسيرة الروايات النصية.

حين يصبح التراب أرشيفا

إن قصة روسادير – مليلة ليست قصة مدينة تعاقبت عليها الحضارات فحسب؛ إنها قصة موقع جغرافي فرض نفسه على التاريخ. فالميناء، والصخرة، والخليج، والقرب من مارتشيكا، والاتصال بالريف الشرقي، كلها عناصر جعلت من المدينة نقطة جذب متكررة للقوى البحرية والتجارية والسياسية. ولهذا فإن قراءة تاريخها لا ينبغي أن تكون محكومة فقط بما كتبته الإمبراطوريات والدول عنها، بل بما تخبرنا به الأرض نفسها. فالخزف يتحدث. والعملة تتحدث. والمقبرة تتحدث. والأسوار، حتى حين تحجب ما تحتها، تتحدث أيضا. وكل طبقة أثرية في روسادير تحمل جزءا من جواب عن سؤال أكبر: كيف استطاعت مدينة صغيرة على طرف المتوسط أن تعيش كل هذه القرون، وأن تستوعب هذا العدد من التحولات، وأن تبقى حاضرة في ذاكرة المكان؟ ربما لأن موقعها لم يكن عاديا. وربما لأن المغرب نفسه كان، ولا يزال، فضاء تتقاطع فيه إفريقيا والمتوسط والأندلس، وتلتقي فيه طرق التجارة والهجرة والحرب والثقافة.

روسادير ليست هامشا

إن إعادة النظر في روسادير/مليلة من زاوية أثرية ليست ترفا أكاديميا، ولا مجرد استعادة لاسم قديم من كتب الجغرافيين. إنها استعادة لجزء من الذاكرة التاريخية للمغرب المتوسطي. ففي هذه الرقعة الصغيرة تتقاطع خيوط من تاريخ المغرب القديم، ومن تاريخ المتوسط، ومن تاريخ المرافئ الفينيقية والبونية، ومن المجال الروماني، ومن المغرب الإسلامي، ومن العلاقات المغربية الأندلسية، ثم من تاريخ الصراع المغربي الإسباني في العصر الحديث. ولذلك فإن قيمة روسادير ليست فقط بما بقي قائما فوق سطح الأرض، بل بما لا يزال مدفونا تحتها. وإذا كان كثير من هذا التراث قد تضرر بفعل التحصينات والتحولات العمرانية المتعاقبة، فإن ما تبقى يفرض مسؤولية مضاعفة: أن يُقرأ، وأن يُوثق، وأن يُصان، وأن يُدرج في سردية أوسع لتاريخ المغرب في البحر المتوسط.

فالأمم لا تصون ذاكرتها بالحنين وحده، وإنما بالمعرفة. ولا تستعيد علاقتها بالماضي بالشعارات، وإنّما بالبحث والتنقيب والتحقيق والنشر. وروسادير، بهذا المعنى، ليست حجرا متنازعا عليه في هامش الخريطة، بل أرشيف حيّ للمغرب المتوسطي؛ مدينة تروي، من خلال فخارها وعملاتها ومقابرها وأسوارها، قصة بلد ظل على مدى آلاف السنين مفتوحا على البحر، ومتفاعلا مع العالم، وقادرا على تحويل موقعه الجغرافي إلى تاريخ. لقد تغيرت الأسماء. وتبدلت الدول. وتعاقبت الجيوش. وتحوّلت الخرائط. لكن الصخرة بقيت. والبحر بقي. والتراب بقي يحمل ذاكرة المدينة. وكلما أزاح علم الآثار طبقة من طبقات الأرض، ظهرت لنا روسادير أخرى، أقدم وأعمق؛ مدينة لا تزال، بعد قرون طويلة، تكتب تاريخها تحت أقدامنا. وربما كان أبلغ ما يمكن أن نتعلمه من هذه المدينة أن الأرض لا تنسى؛ إنها تؤجل شهادتها فقط، إلى أن يأتي من يعرف كيف يصغي إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *