من “الجندي المطيع” إلى “العائق الاستراتيجي”

بقلم فارس فهد باحث في العلاقات الدولية.

 كيف وصلت أوروبا إلى عصيان واشنطن؟

في ربيع عام 2026، شهد العالم مشهداً غير مسبوق في تاريخ التحالفات الغربية: إغلاق إسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية، وتقييد إيطاليا استخدام قواعدها العسكرية، ورفض الناتو جماعياً المشاركة في فتح مضيق هرمز، وتصنيف الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة في خانة واحدة مع روسيا والصين كـ”قوى معارضة للمصالح الأوروبية”. لم تكن هذه مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل لحظة تحول جذري في طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها التاريخيين. فبعد عقود من الهيمنة الأمريكية التي تأسست على مزيج من الحماية العسكرية والقيادة الأخلاقية، ها هي أوروبا تنتقل من “الانصياع الكلي” في حرب الخليج الأولى (1991)، إلى  “الرفض السلبي” في غزو العراق (2003)، لتصل إلى مرحلة “العصيان الفاعل” في الحرب على إيران (2026).  هذا التحول يطرح سؤالا وجوديا على الإمبراطورية الأمريكية: هل هذه مجرد “إعادة تفاوض” على شروط التحالف، أم أنها بداية نهاية الهيمنة المطلقة؟

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى مفهوم “الهيمنة” ذاته. فمنذ حوار ميلوس الذي دوّنه ثوسيديدس في عام (416 ق.م)، كانت الهيمنة تقوم على علاقة قوة غير متوازنة يفرض فيها الأقوى إرادته على الأضعف بالخوف والإكراه. لكن المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي (1891-1937)، قدّم نقلة نوعية حين ميّز بين الإكراه والقيادة الفكرية والأخلاقية. فالإمبراطوريات لا تحكم فقط بالسيوف، بل بإقناع التابعين بأن طاعتهم هي في مصلحتهم. هذه هي “الموافقة المقنعة”. عندما يفقد المهيمن قدرته على القيادة الفكرية، ولا يبقى له إلا القوة العسكرية المباشرة، يدخل النظام الهيمني في أزمة. وهذا بالضبط ما حدث في 2026. وبحسب روبرت كوكس (1981)، فإن الهيمنة العالمية تقوم على ثلاثة أركان: القوة المادية، والأفكار السائدة، والمؤسسات الدولية. في عام 2026، انهار الركنان الأخيران: لم تعد أوروبا تؤمن بشرعية الحرب على  إيران، وانكشف الناتو كأداة للإرادة الأمريكية بدلا من كونه إطارا جماعيا. أما سوزان سترينج، فترى أن الهيمنة الحقيقية هي القدرة على تحديد “قواعد اللعبة”. وعندما بدأت أوروبا بكتابة قواعدها الخاصة، ورفضت فتح مجالها الجوي، فهذا يعني أن حدود الهيمنة قد وصلت.

ثلاث محطات فارقة في رحلة الانحدار

المحطة الأولى: ذروة الانصياع (حرب الخليج، 1991) في تلك اللحظة، كانت أمريكا في أوج قوتها. انهار الاتحاد السوفيتي، ولم يكن لأوروبا بديل استراتيجي. قدمت 32 دولة قواتها، ونشرت بريطانيا 45 ألف جندي، وفرنسا 18 ألفاً، وساهمت الدول العربية بـ120 ألف مقاتل. الأهم من ذلك، أن الحلفاء تحملوا 70% من تكاليف الحرب. وعندما صوتت اليمن ضد القرار الدولي، تم قطع المساعدات عنها فوراً، في رسالة واضحة: الطاعة مقابل الحماية، والعصيان مقابل العقاب.

المحطة الثانية: الشرخ الأول (غزو العراق، 2003) هنا بدأ التصدع. حاولت إدارة بوش الابن بناء “تحالف الراغبين” لتبرير غزو العراق، لكن الواقع كان مختلفا. بريطانيا فقط هي من شاركت بقوات مقاتلة كبيرة، بينما رفضت فرنسا وألمانيا المشاركة، فيما أطلقت واشنطن عليهما مصطلح “أوروبا  القديمة”. لكن الأهم أن هذا الرفض كان “سلبياً”: إذ استمرت ألمانيا في السماح باستخدام قواعدها الجوية. في هذه المرحلة، قالت أوروبا “لا” لكنها لم تمنع أمريكا من الحركة. ومع ذلك، زرعت بذور الوعي الأوروبي بأن الطاعة العمياء قد تكون مكلفة، وبدأت مشاريع الدفاع الأوروبي المستقل تطفو على السطح.

المحطة الثالثة: العصيان الفاعل (الحرب على إيران، 2026) هنا حدثت القفزة النوعية. فالرفض لم يعد سياسيا، بل أصبح عملياتياً. أعلنت إسبانيا إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المرتبطة بالهجمات على إيران، ووصفت الحرب بأنها “غير قانونية وغير عادلة”. وفي إيطاليا، تم تقييد استخدام قاعدة سيغونيلا. أما فرنسا، فشاركت في مهمة بحرية “دفاعية” بحتة لفتح مضيق هرمز، بينما أصر الناتو على أنه “تحالف دفاعي وليس تحالفا للتدخل”. أخطر ما حدث كان خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون الذي وضع أمريكا في مرتبة الخصوم، قائلا إن أوروبا تعيش لحظة “صحوة” أمام عالم تتصارع فيه ثلاث قوى كبرى ضد المصالح الأوروبية. 

لماذا عصت أوروبا الآن تحديدا؟

أولا: ارتفاع ثمن الطاعة. فلم تعد أمريكا ضامنا موثوقا للأمن  الأوروبي، خاصة مع شكوك ترامب في المادة الخامسة من معاهدة الناتو. كما أن جرّ أوروبا إلى حرب مع إيران يكلفها ثمنا سياسيا واقتصاديا وأمنيا باهظا، يفوق أي فوائد من الحماية الأمريكية.

ثانيا: انخفاض ثمن العصيان. أمريكا مشغولة بحروب متعددة وتركيزها على الصين في آسيا، ما يحد من قدرتها على معاقبة جميع العاصين. كما أن العقوبات الأمريكية (كسحب القوات من أوروبا) قد تدفع الأوروبيين إلى مزيد من الاستقلالية، لا إلى العودة للطاعة.

ثالثا: الاستيقاظ الاستراتيجي. أدركت النخب الأوروبية أن رهن أمنها القومي لبلد واحد هو خطأ وجودي. هذا الإدراك ليس رد فعل على شخصية ترامب، بل اتجاه تاريخي، كما قال ماكرون. لذلك، بدأت أوروبا بالاستثمار في مشاريع دفاعية مستقلة، وتنويع تحالفاتها، وإعادة تعريف من هو “العدو”. هل تدرك أمريكا الخطر؟ نعم، ولكن بشكل جزئي. الغضب الأمريكي كان واضحا، وصولا إلى وصف ترامب للحلفاء بـ”الجبناء” وتهديدهم بالعقاب. لكن العقاب الفعلي (كتخفيض القوات في أوروبا) يبدو متناقضاً، لأن واشنطن لا تزال بحاجة ماسة إلى القواعد الأوروبية (كرامشتاين وسيغونيلا)  والاستخبارات والدعم اللوجستي. أمريكا لم تستوعب بعد أن الأزمة بنيوية، وليست مجرد مزاج سياسي عابر، وأن العقاب يزيد التمرد بدلا من قمعه.

نهاية الهيمنة المطلقة أم إعادة تفاوض؟

يجيب البحث بأن كلا الفرضيتين صحيحتان إلى حد ما. إنه ليس “انهيارا” للإمبراطورية الأمريكية، ولكنه بالتأكيد “نهاية الهيمنة المطلقة”. لم تعد أمريكا قادرة على فرض إرادتها دون قيد أو شرط. العلاقة الجديدة ستكون أقرب إلى “الطاعة المحدّثة”، حيث يطيع الحليف إذا توافقت المصالح، ويعصي إذا تعارضت، ولكن دون الوصول إلى حالة الانشقاق الكامل. يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو “الإصلاح” مع رئيس أمريكي جديد، لكن مع تغير دائم في شروط اللعبة. أما السيناريو الأكثر جذرية، فهو تحول الناتو إلى إطار رمزي، وتطور أوروبا إلى قوة مستقلة، مما يقلب موازين التحالفات العالمية. في النهاية، تؤكد هذه الوقائع حقيقة تاريخية تكرر نفسها: الإمبراطوريات لا تسقط حين يهاجمها عدو، بل حين يتوقف الحلفاء عن الطاعة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *