بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
إنّ هذا النص, قارئي العزيز, ليس عن العرس في وجدة، ولا عن زبيدة، ولا عن بغداد. إنّه نص عن الذاكرة بوصفها أعظم اختراع إنساني، وعن النساء بوصفهن الحافظات المجهولات للحضارة. وهذا، في تقديري، هو ما يجعله يرتفع إلى معنى الحضارة نفسها. بل عن كيف عبرت زبيدة إلى وجدة
لو سألني أحد: أين ماتت زبيدة؟ لما أشرت إلى بغداد. ولما فتحت كتب المؤرخين. ولما تتبعت أخبار الخلفاء والقصور. بل سأبتسم، وأقول له: تمهل قليلا… لقد رأيتها منذ أعوام في وجدة. لم تكن ترتدي الحرير العباسي، ولا تتدلى من جيدها عقود الياقوت، ولا تمشي بين الجواري والوصيفات. كانت تجلس في صمت داخل صندوق خشبي صغير، في بيت وجدي عتيق، تنتظر أما تجمع لابنتها النقذة، قطعة بعد قطعة، وسنة بعد سنة، كما لو أنها تخيط الزمن نفسه. عندها فقط أدركت أن المؤرخين، على جلالة علمهم، ينسون أحيانا أهم ما في التاريخ.
يعرفون كيف يحصون عدد الجيوش، لكنهم لا يحصون عدد الأغاني التي أنقذت شعبا من النسيان. يعرفون أسماء الخلفاء، لكنهم يجهلون أسماء النساء اللّواتي حملن الحضارات فوق رؤوسهن، كما تحمل المرأة جرة ماء، من غير أن ينسكب منها شيء. يكتبون عن المدن حين تفتح أبوابها للفاتحين، ولا يكتبون عنها حين تفتح امرأة صندوقها لابنتها ليلة العرس. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. ليس في بغداد. ولا في وجدة. ولا حتى في أول عرس عرفه العرب. بل في تلك اللحظة البعيدة، حين اكتشف الإنسان أنّ الحب وحده لا يكفي. وأنّ الفرح، إذا لم يجد من يحتفل به، يموت قبل أن يولد. منذ تلك اللحظة، بدأ البشر يحيطون الزواج بما يشبه السحر. أوقدوا النار. رفعوا الغناء. نثروا العطر. صبغوا الأكف بالحناء. وألبسوا العروس ثيابا ليست كسائر الثياب، لأنهم كانوا يؤمنون، من غير أن يكتبوا ذلك في كتاب، أن الإنسان يعبر في حياته أنهارا كثيرة، وأن أخطر تلك الأنهار هو النهر الذي يفصل بين بيت الأب وبيت الزوج. ولذلك لم يكن العرس يوما عاديا. كان لحظات كونية.
وكانت العروس لا تغادر بيتها وحدها. كانت تغادر معها قرون كاملة من الذاكرة. ومنذ آلاف السنين، والحضارات تتبادل هذا السر. يمر من سومر إلى بابل. ومن بابل إلى فارس. ومن فارس إلى بغداد. ومن بغداد إلى الأندلس. ومن الأندلس إلى المغرب. لكنه، في كل مرة، يغير ثوبه، ولا يغير روحه. مثل نهر طويل، كلما دخل أرضا شرب من تربتها، ثم واصل الجريان بماء جديد. لهذا لا أصدق أن العادات تسافر. الناس هم الذين يسافرون. أما العادات، فهي تهاجر كما تهاجر الأرواح. تدخل بيتا، وتخرج من آخر. تختبئ في ثوب. وتنام في أغنية. وتسكن رائحة بخور. ثم تستيقظ، بعد قرون، في يد فتاة لا تعرف أنها تحمل فوق كتفيها تاريخ أمم كاملة. ومن أجل ذلك كله، لم أعد أنظر إلى أعراس وجدة كما كنت أنظر إليها في طفولتي. كنت أراها أياما للغناء والحناء والقفطان والذهب. ثم كبرت، فإذا بي أكتشف أنني لم أكن أشاهد عرسا. كنت أشاهد الحضارات وهي تتبادل الذاكرة. وكنت أشاهد النساء يقمن، في صمت، بأعظم عمل لم يكتبه المؤرخون قط. يحفظن العالم من النسيان.
لم تكن أمي تعرف زبيدة. ولو سألتها عنها، لقالت إنها ربما امرأة من نساء التاريخ اللواتي يذكرهن الرواة ثم يمضون. لكنها، من غير أن تدري، كانت تكرر فعل زبيدة كل يوم. لم تكن تملك قصرا يطل على دجلة. ولا خزائن تفيض بالذهب. ولا وصيفات يحملن إليها الحرير القادم من الصين. كانت تملك شيئا آخر. كانت تملك الزمن. وكانت تعرف كيف تدخره. كلما عاد أبي من السوق، اشترت قطعة قماش. وفي عيد آخر، تخبئ سوارا. وفي موسم جديد، تضيف غطاء، أو مطرزا، أو عطرا. كنت أظن أنها تشتري أشياء. ثم اكتشفت، بعد سنوات، أنها كانت تجمع عمرا كاملا داخل صندوق. النقذة…يا لها من كلمة صغيرة. لكنها تخفي خلف حروفها حضارة كاملة. فالنقذة ليست جهاز عروس. إنها اقتصاد للأمل. إنها بنك سري تؤسسه الأم منذ أن تبدأ ابنتها أولى خطواتها نحو المراهقة. كل سنة تودع فيه شيئا. ليس المال وحده. بل الانتظار. والدعاء. والخوف. والرجاء. ولهذا، حين يفتح الصندوق ليلة العرس، لا تخرج منه الأقمشة. تخرج عشرون سنة من الحب.
ولعل هذا هو أكثر ما عجز المؤرخون عن فهمه. لقد ظنوا أن التاريخ يصنعه الرجال. لأنهم كانوا يرون الملوك فوق الخيل. ولم يكونوا يرون النساء خلف النوافذ. كانوا يكتبون عن السيف. ولا يكتبون عن الإبرة. مع أن الإبرة كانت أطول عمرا من السيف. السيف يفتح مدينة. أما الإبرة، فتبني شعبا. أحيانا أسأل نفسي: كم مرة عبرت الحضارات من ثقب إبرة؟ قد يبدو السؤال غريبا. لكنه أقل غرابة من الحقيقة. فالحرير الذي كان ينسج في دمشق، لم يبق في دمشق. والديباج الذي ولد في فارس، لم يمت في فارس. والزخارف التي أبدعها الأندلسيون، لم تدفن في غرناطة. كل ذلك ركب السفن. وعبر الصحارى. وسافر مع التجار. ثم انتهى، ذات مساء، في بيت وجدي، بين يدي امرأة لا تقرأ ولا تكتب، لكنها تعرف من الجمال ما لا تعرفه مكتبات كاملة. هكذا تسافر الحضارات. لا تحملها الجيوش. تحملها النساء.
ولهذا، كلما سمعت من يقول إن هذا الزي مغربي، أو ذاك مشرقي، أو تلك عادة أندلسية، ابتسم. فالحضارات ليست جدرانا تفصل بينها الحدود. إنها أشجار. تتشابك جذورها تحت الأرض، بينما يظن الناس أنها منفصلة. ولذلك، حين ننظر إلى قفطان وجدي، فإننا لا ننظر إلى قطعة قماش. نحن ننظر إلى حوار طويل بين الأندلس وفاس، وبين بغداد ومراكش، وبين دمشق وتلمسان، وبين القيروان ووجدة. كل غرزة تحمل جنسية. لكن الثوب لا يحمل إلا هوية واحدة. هوية المغرب. وهنا تكمن عبقرية هذا البلد. لم يكن ناسخا للحضارات. كان كيميائيا. كل ما دخل إليه خرج مختلفا. كان يأخذ الذهب من الشرق، ويمنحه وقارا مغربيا. ويأخذ الألوان من الأندلس، ويكسوها ضوء المغرب. ويأخذ الإيقاعات من إفريقيا، ثم يجعلها تنطق بلسان مغربي. هذه ليست استعارة. هذا هو تاريخ المغرب كله. إنه تاريخ تحويل العالم إلى بيت.
ثم ظهرت زبيدة. لا كما تخرج الشخصيات من كتب التاريخ. بل كما تخرج الأقمار من بين الغيوم. كان اسمها يسبقها، وكانت الحكايات تفرش لها الطريق. وكلما ذكرها الرواة، اختلط الخبر بالخيال، حتى لم يعد أحد يعرف أين تنتهي المرأة وأين تبدأ الأسطورة. ولعل هذه هي العلامة الأولى للعظماء. أن يتركوا وراءهم من الدهشة أكثر مما يتركون من الوقائع. كانت بغداد يومئذ عاصمة لا تشبه مدينة أخرى. لم تكن تباهي العالم بقصورها وحدها، بل بما كانت تختزنه من علم وفن وصناعة وذوق. كانت الدنيا كلها، على اتساعها، تصب في شوارعها. حرير يأتي من أقصى الشرق. وعطور تعبر البحار. وجواهر خرجت من بطون الجبال، ثم انتهى بها المطاف في خزائن الخلفاء. وكانت المدينة، كلما استقبلت شيئا من العالم، أعادته إلى العالم أكثر جمالا. فبغداد لم تكن تستهلك الحضارات. كانت تصقلها. وكانت، في ذلك العصر، أشبه بورشة كبرى يصوغ فيها الإنسان معنى الجمال.
وفي تلك المدينة، روت كتب الأخبار أن عرس زبيدة كان من أعجب ما شهد الناس من مظاهر البذخ والبهاء. وتناقلت المصادر أوصافا لثياب مرصعة بالجواهر، وحلي نادرة، وهبات سخية، حتى غدت أخبار ذلك العرس جزءا من المخيال العربي، بقدر ما هي جزء من التاريخ. وربما بالغ بعض الرواة. وربما زاد الخيال على الحقيقة. لكن المبالغة نفسها تقول شيئا مهما. فالناس لا ينسجون الأساطير حول الأحداث الصغيرة. إنهم يحيكونها حول اللحظات التي يشعرون أنها تجاوزت حدود المألوف. وهكذا لم يعد عرس زبيدة عرسا. صار مقياسا يقاس به كل عرس فاخر. وصارت زبيدة، في الذاكرة العربية، اسما لا يدل على امرأة فحسب، بل على زمن بلغ فيه الجمال مرتبة السلطان. غير أن أكثر ما يدهشني في زبيدة ليس الذهب الذي لبسته، ولا الياقوت الذي وصفه الرواة، ولا الكنوز التي ازدحمت بها أخبارها. كل ذلك يبهت أمام سؤال آخر. كم امرأة مجهولة، في مدينة بعيدة، حاولت بعد قرون أن تمنح ابنتها، على قدر استطاعتها، شيئا من ذلك الحلم؟ هنا تبدأ الرحلة الحقيقية. فالأحلام لا تحتاج إلى جمالها الأول كي تعيش. يكفي أن تنتقل من قلب إلى قلب. ومن يد إلى يد. ومن أم إلى ابنتها.
لقد خرجت زبيدة من بغداد، لا لأنها ركبت قافلة، ولا لأنها غادرت قصر الخليفة. خرجت لأن صورتها استقرت في الخيال. والخيال لا تعوقه الحدود. كان التجار يحملون الأقمشة. وكان الصناع يحملون المهارة. وكان الفقهاء يحملون الكتب. أما النساء، فكن يحملن شيئا لا يراه أحد. كن يحملن الذوق. وهذا هو أثقل ما يسافر في التاريخ. قد ينسى الناس اسم التاجر. ويضيع اسم الصانع. وتحترق كتب كثيرة. لكن ذوقا تعلمته فتاة من أمها يبقى حيا، ثم تنتقل به إلى ابنتها، وكأن الزمن نفسه صار نسبا تتوارثه النساء. ومن هنا، لا يعود السؤال: كيف وصلت زبيدة إلى وجدة؟ بل يصبح السؤال: كيف استطاعت امرأة عاشت على ضفاف دجلة أن تجد لها مكانا، بعد ألف عام، في صندوق خشبي داخل بيت وجدي؟ وهنا يبتسم التاريخ. لأنه يعرف ما لا يعرفه المؤرخون. يعرف أن الحضارات لا تهاجر في مواكب الملوك. بل في صمت الأمهات.
وحين وصلت الحكاية إلى وجدة، لم تطرق باب المدينة. كانت المدينة قد سبقتها إليها. فالمدن، مثل البشر، ليست سواء. منها من يسكن الأرض. ومنها من يسكن الطريق. ووجدة لم تكن مدينة على هامش الجغرافيا، بل كانت جغرافيا تمشي. كانت تعرف القادمين قبل أن تراهم. وتعرف أن الريح لا تأتي من جهة واحدة. لهذا كانت أبوابها مفتوحة، لا استسلاما، بل ثقة. فالمدينة التي تثق بنفسها لا تخاف الغرباء. إنها تحولهم، مع الأيام، إلى جزء من ذاكرتها. وهكذا فعلت وجدة. استقبلت القوافل كما تستقبل الأم أبناءها. كان القادمون يحملون الملح والحرير والتوابل. لكنهم، من غير أن يشعروا، كانوا يحملون أيضا أشياء لا توزن بالموازين. كانوا يحملون لحنا. وزخرفة. وطريقة في الضحك. وشكلا من أشكال الفرح. وكانت المدينة تأخذ كل ذلك، ثم تدخله في هدوء إلى مختبرها السري. ذلك المختبر الذي لا يراه أحد. مختبر النساء. هناك، كانت الأشياء تتغير. قطعة القماش لا تبقى كما جاءت. واللون لا يحتفظ باسمه الأول. والزخرفة تنسى موطنها القديم. حتى الأغنية، وهي تعبر أفواه النساء، تكتسب لهجة جديدة، كأنها ولدت هنا منذ البداية. وهكذا لا يعود ممكنا أن تسأل: أهذه عادة جاءت من بغداد؟ أم من الأندلس؟ أم من القيروان؟ لأن السؤال نفسه يكون قد فقد معناه. فالأنهار، حين تلتقي في البحر، لا يعود أحد قادرا على فصل مياهها. وهكذا هي الحضارات.
وكانت الأم الوجدية أعظم كيميائية عرفها التاريخ. لم تكن تقرأ كتب الفلاسفة. لكنها كانت تمارس الفلسفة كل يوم. تعرف أن الزمن لا يهزم إلا إذا تحول إلى شيء ملموس. ولهذا كانت تجمع النقضة. لا لتملأ صندوقا. بل لتمنع السنوات من الضياع. كانت تشتري اليوم قطعة صغيرة. وتنسى أنها اشترتها. ثم تضيف إليها أخرى. ثم ثالثة. حتى إذا أقبل يوم العرس، بدا كأن الزمن نفسه قد ارتدى قفطانا. ما أروع هذا الاكتشاف. الأم لا تجمع الذهب. إنها تجمع الأيام. ولا تخيط الثوب. إنها تخيط العمر. ولا تحفظ المتاع. إنها تحفظ الحب من التبخر. ثم تأتي ليلة الحناء. وكم ظلمنا الحناء حين ظننا أنها لون. إنها ليست لونا. إنها آخر ما تبقى من الطقوس القديمة. حين يلامس معجون الحناء كف العروس، لا تتزين اليد فقط. بل تتذكر. تتذكر آلاف الأيدي التي سبقتها. أيدي نساء لا نعرف أسماءهن، لكننا ما زلنا نعيش داخل ما تركنه لنا. ولذلك، لم تكن الحناء زينة. كانت ميثاقا. وكانت النساء، وهن يرسمن خطوطها، يكتبن بلغة لا تحتاج إلى حروف. لغة تقول للعروس: أنت لست وحدك. وراءك ألف أم. وألف جدة. وألف امرأة عبرن هذا الجسر قبلك.
ثم يخرج القفطان. ذلك الكائن العجيب الذي يشبه الثوب، ولا يشبهه. كم من بلد يسكن داخله؟ وكم من بحر عبره؟ وكم من إصبع سهر على غرزة واحدة فيه؟ إن القفطان المغربي لا يلبس. إنه يروى. كل خيط فيه سيرة. وكل تطريز ذاكرة. وكل لون فصل من رواية طويلة، كتبتها المدن مجتمعة، ثم ختمها المغرب بخاتمه. ولذلك، لم يكن القفطان وثيقة عن الماضي. بل كان إعلانا عن انتصار المغرب. لقد أخذ من الجميع. لكنه لم يشبه أحدا. وهذه وحدها علامة الحضارات الكبرى. إنها تستقبل العالم كله. ثم تعيده إلى العالم وقد صار يحمل اسمها. وحين كانت العروس تبدل لباسها مرة بعد مرة، لم تكن تستعرض ثيابها. كانت تقلب صفحات كتاب. كل لباس فصل. وكل فصل زمن. وكأنها تقول للحاضرين: انظروا… ليست هذه امرأة واحدة. هذه نساء كثيرات اجتمعن في امرأة. أمها. وجدتها. وأمهات جداتها. وكل من مرت من هنا، وتركت في هذا الثوب غرزة، أو دعوة، أو دمعة، أو ابتسامة. ولهذا، لم يكن العرس احتفالا بامرأة. كان احتفالا بالسلالة كلها. وبالذاكرة كلها. وبالحضارة كلها.
وفي آخر الرحلة، لم يعد يهمني أن أعرف كم يوما كان يدوم العرس. ولا كم بلغ وزن الذهب الذي لبسته زبيدة. ولا إن كان المؤرخون قد بالغوا في وصف ثيابها، أو صدقوا في كل ما رووه. فهذه، على جمالها، ليست إلا القشرة. أما اللب، فهو شيء آخر. هو ذلك السر الذي جعل الإنسان، منذ فجر التاريخ، يرفض أن يترك أجمل لحظات حياته تمر كما تمر سائر الأيام. ولهذا كانت الأعراس تمتد أياما. لا لأن الناس كانوا يملكون وقتا أكثر مما نملك. بل لأنهم كانوا يمنحون الزمن قيمة أكبر مما نمنحه نحن. كانوا يعرفون أن بعض التحولات لا تليق بها العجلة. فالفتاة التي تغادر بيت أبيها لا تعبر بابا فقط. إنها تعبر عالما إلى عالم. وكان المجتمع كله يعبر معها. لهذا لم يكن الفرح حدثا فرديا. كان احتفالا جماعيا تعلن فيه الجماعة أنها شاهدة على ميلاد حياة جديدة. ولذلك أيضا بقي الرقم سبعة يتردد في ذاكرة الأعراس. ليس لأنه عدد سحري بالمعنى الشعبي وحده، بل لأنه، في حضارات كثيرة، رمز للاكتمال والدورة التامة، حتى غدا الزمن نفسه كأنه يحتاج إلى سبع خطوات ليبلغ تمامه.
ولماذا الحناء؟ لأن الإنسان، منذ أقدم العصور، كان يبحث عن علامة يودعها على الجسد كلما عبر منعطفا كبيرا في حياته. فالحناء ليست صبغة. إنها أثر. ولهذا بقي لونها أياما، كما لو أنه يقول للعروس: لا تعجلي في مغادرة هذه اللحظة، دعي الفرح يترك بصمته عليك. ولماذا الذهب؟ لأن الذهب، في خيال البشر، هو المعدن الذي قاوم الزمن. لا يصدأ. ولا يبهت بسهولة. فصار رمزا لما يتمنى الإنسان أن يبقى. غير أن الأمهات المغربيات عرفن، من غير أن يدرسن الفلسفة، أن الذهب الحقيقي ليس ما يلمع في الأعناق. بل ما يضيء القلوب. ذهب الصبر. وذهب التربية. وذهب الدعاء. وذهب اليد التي تعطي، ثم تنسى أنها أعطت. ولماذا كانت العروس تبدل لباسها مرات كثيرة؟ لأن الثوب، في الحضارات العريقة، لم يكن يستر الجسد فقط. كان يكشف الهوية. وكان كل لباس يحكي وجها من وجوه المرأة، ووجها من وجوه الجماعة التي تنتمي إليها. كانت العروس تمشي، في الحقيقة، داخل متحف حي. كل قفطان قاعة. وكل تطريز مخطوط. وكل لون فصل من كتاب طويل اسمه المغرب. أما الهدايا التي تحدثت عنها كتب الأخبار في أعراس بغداد، فقد كانت، في جوهرها، إعلانا عن كرم الدولة، ورغبتها في أن يحمل كل ضيف جزءا من الفرح معه.
وما أجمل أن نكتشف أن الفكرة نفسها عاشت، بصور مختلفة، في مجتمعات كثيرة. فالإنسان، أينما كان، لا يريد للفرح أن يبقى حبيس المكان. يريد له أن يسافر. أن يعود مع الضيوف إلى بيوتهم. أن يتحول إلى ذكرى يمكن لمسها. ثم نسأل: ماذا أخذ المغرب من المشرق؟ وأخذ من الأندلس؟ وماذا أعطى هو للعالم؟ والجواب، في ظني، لا يكتبه سطر واحد. لقد أخذ من المشرق إشعاع الحضارة العربية الإسلامية، وما حملته من فنون وذوق وصناعات ورموز احتفالية. وأخذ من الأندلس رهافة الصنعة، وأناقة العمران، ودقة الزخرفة، وعشق التناسق بين اللون والنور والموسيقى. لكنه لم يكن ناسخا أمينا. بل كان مبدعا عظيما. أدخل كل ذلك إلى مختبره الحضاري. ثم أعاده خلقا جديدا. فولد القفطان المغربي كما نعرفه. وتشكلت طقوس الحناء بصورتها المغربية. وصارت النقضة مؤسسة اجتماعية لا تكاد تجد لها مثيلا بهذه الروح في مكان آخر. وامتزجت الأهازيج العربية بالأمازيغية، والإفريقية بالأندلسية، حتى خرج صوت لا تخطئه الأذن. صوت المغرب.
وهنا أفهم أخيرا لماذا لم تمت زبيدة. لم تمت، لأنها لم تكن امرأة فقط. كانت اسما لكل حلم أراد أن يجعل من الفرح فنا. ولأن وجدة لم تكن مدينة تحفظ العادات. بل مدينة تعرف كيف تمنحها حياة جديدة. ولأن كل أم، وهي تضع قطعة قماش في صندوق ابنتها، أو تخبئ سوارا اشترته بعد تعب طويل، كانت، من غير أن تدري، تكتب صفحة جديدة في كتاب الحضارة. ولعل هذا هو أكثر ما غفل عنه المؤرخون. لقد ظنوا أن الحضارات تصنعها العروش. ثم اكتشفنا، بعد قرون، أنها كانت تصنع أيضا حول موقد صغير، وفي ضوء مصباح خافت، وبين أصابع امرأة تخيط قفطانا، وتهمس لابنتها وهي تضع الحناء في كفها: اذهبي…ولا تنسي أن تحملي معك البيت كله. فالبيوت، مثل الأوطان، لا تبنى بالحجارة وحدها. إنما تبنى بالذاكرة. والذاكرة، منذ أوّل أمّ في التاريخ، لها يدان تفوح منهما رائحة الحناء.
