في الدفاع عن الحكاية، لا ضد التاريخ

الفصل السابع والأخير: حين يكتب الأدب حياة ثانية للتاريخ

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

حين يفرغ المؤرخ من كتابة آخر سطر، يشعر أنّه أدّى واجبه. وحين يفرغ الحكاء من رواية آخر حكاية، يشعر أنّ واجبه لم يبدأ بعد. ذلك أنّ المؤرّخ يسلم الماضي إلى الذّاكرة. أمّا الحكاء، فيسلم الذاكرة إلى المستقبل. ومن هنا، يبدأ الفرق العميق بينهما. فليس التاريخ هو الذي يبقي الأمم حية. ولا الأدب وحده. إنّ الذي يبقيها حية هو الحوار الأبدي بين الوثيقة والمخيلة، بين ما وقع بالفعل، وما ظلّ الإنسان يحلم بأنه وقع. ولعلّ هذا ما أدركته الحضارة العربية، وهي تنسج ألف ليلة وليلة، من غير أن تكتبه في مقدمة كتاب، أو تصرح به في سطر واحد. لقد مارسته بالفطرة.

لقد حفظ المؤرخون لنا الدولة العباسية. أما شهرزاد، فقد حفظت لنا روحها. وما أبعد المسافة بين الدولة والروح. الدولة يمكن أن تسقط. ويمكن أن تحترق عاصمتها. ويمكن أن تضيع سجلاتها. لكن روحها، إذا وجدت من يحكيها، فإنها تعبر القرون. وهذا ما حدث لبغداد. لم تعش بغداد في ذاكرة العالم لأنها كانت أكبر مدن عصرها. فلقد عرف التاريخ مدنا أعظم، ثم غابت. وعرف عواصم أغنى، ثم نسيها الناس. لكن بغداد امتلكت امتيازا لم تمتلكه مدن كثيرة. لقد وجدت من يحولها إلى حكاية. والمدينة التي تتحول إلى حكاية، لا تموت.

ومن هنا، لا ينبغي أن ننظر إلى ألف ليلة وليلة بوصفها كتابا عن الماضي. إنّها كتاب عن قدرة الإنسان على مقاومة الفناء. كل حكاية فيها تقول، بطريقتها الخاصة، إن الزمن لا ينتصر دائما. وأن الموت لا يربح كل معاركه. وأن الإنسان، حين يعجز عن هزيمة الزمن بالسيف، يهزمه بالكلمات. ولذلك، لم يكن انتصار شهرزاد على شهريار انتصار امرأة على ملك. بل كان انتصار السرد على الموت. لقد أوقفت المقصلة بحكاية. وأجلت الفناء بليلة أخرى. ثم بليلة أخرى. حتى أصبح الزمن نفسه أسيرا لما ترويه. وهل هناك انتصار أعظم من أن تجعل الزمن ينتظر نهاية قصة؟

وهنا، يعود هارون الرشيد إلى المشهد، ولكن بصورة لم نره بها من قبل. لا بوصفه خليفة. ولا بطلا. ولا رمزا للسلطة. بل بوصفه شاهدا على معجزة الأدب. لقد خرج الرجل من حدود حياته، ودخل حدود اللغة. وما إن دخل اللغة، حتى لم يعد ملكا لقرنه. صار ملكا لكل القرون. فالرجل الذي توفي في طوس، ظل يمشي في شوارع بغداد كلما فتح قارئ صفحات ألف ليلة وليلة. ولم يكن ذلك لأن التاريخ أخطأ. ولا لأن الأدب كذب. بل لأن الإنسان لا يكتفي بحياة واحدة. إنه يخلق لنفسه، دائما، حياة ثانية في الخيال.

ولعلّ أعظم درس تقدّمه لنا هذه الرحلة، هو أن الحضارات لا تبقى بقوة جيوشها وحدها. لقد امتلكت أمم كثيرة جيوشا لا تقهر، ثم ذهبت مع الريح. وامتلكت خزائن لا تنفد، ثم أكلها الغبار. لكن الحضارة التي تنتج حكاية عظيمة، تكسب معركة لا يراها الجنود. إنها تكسب معركة الذاكرة. فالذاكرة هي الإمبراطورية الوحيدة التي لا تسقط بفتح مدينة، ولا بانهيار قصر، ولا بموت خليفة. وهكذا، فإنّ السؤال الذي بدأنا به هذه الدراسة، لم يعد هو السؤال نفسه. في البداية، كنا نسأل: من هو هارون الرشيد الحقيقي؟أما الآن، فقد تغير السؤال.وأصبح أكثر عمقا.كيف يستطيع الأدب أن يمنح الإنسان حياة لا تستطيع الوثيقة أن تمنحها؟ وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد أن تطوى الصفحة الأخيرة.

لقد كان الطبري، وابن الأثير، وسائر المؤرخين، أمناء على الزّمن. وكانت شهرزاد أمينة على الحلم. ولم يخن أحدهما الآخر. بل أدّى كل واحد منهما وظيفته. التاريخ حفظ ما جرى. والأدب حفظ ما بقي. ولولا التاريخ، لما عرفنا الرجل. ولولا الأدب، لما أحببناه. إن الحضارات ليست بمافتحته من أمصار. إنّها تقاس أيضا بما تتركه من صور في خيال الإنسانية. وقد يكون هذا هو المقياس الأخير للخلود. فكم من حاكم ملأ الدنيا صخبا، ثم ابتلعه النسيان. وكم من حكاء مجهول، لم يعرف الناس اسمه، ما يزال يحكم ممالك لا تنتهي، لأنّ كلماته لم تتوقف عن السفر.

ولذلك، فإنّ هارون الرشيد، في نهاية هذه الرحلة، ليس موضوع هذه الدراسة وحده. بل هو مثال على مصير الإنسان حين يعبر من التاريخ إلى الأدب. إنّه يعبر من الزمن إلى الرمز. ومن السّيرة إلى الأسطورة. ومن الإسم إلى المعنى. ولا يعود السؤال: ماذا فعل؟ بل: ماذا أصبح يمثل؟ وهنا فقط، تتجلى المعجزة الكبرى. لقد كتب المؤرخون حياة هارون الرشيد. أما الأدب، فقد كتب خلوده. ولم يكن الخلود أن يبقى اسمه في بطون الكتب. بل أن يبقى، بعد أكثر من اثني عشر قرنا، قادرا على إثارة الأسئلة نفسها، وإشعال الدهشة نفسها، وإعادة فتح الحوار الأزلي بين الحقيقة والخيال. وهكذا، لا تنتهي رحلة هارون الرشيد عند قبره في طوس، ولا عند آخر صفحة من تاريخ الطبري، ولا عند الليلة الألف من ليالي شهرزاد. إنّها تبدأ، في الحقيقة، كلّما جلس قارئ إلى كتاب، ورفع عينيه عن الورق، متسائلا في صمت: أيّهما أطول عمرا… الإنسان؟ أم الحكاية؟

انتهى…وللحديث بقية , قارئي العزيز,… ما دام في الليل متسع لحلم، وفي القلب متسع لحكاية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *