كيف أصبحت شوكة الفقير كافيار الأغنياء!

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

لو بعث الله الجاحظ في هذا الصيف، لما كتب “كتاب البخلاء”، بل لألّف كتابا جديدا عنوانه: “كتاب الهندية التي هاجرت إلى الأغنياء”. ولبدأه بهذه العبارة: “ومن أعجب ما رأيت في هذا الزمان أن الفقير صار يشتاق إلى فاكهته كما يشتاق الملوك إلى العروش.” كنا، نحن أبناء المغرب، نعرف أن الصيف لا يبدأ بالتقويم. بل يبدأ حين يصرخ بائع الهندية: “الحلوة… الباردة… اللي تذوب في الفم!” وكانت تلك الصرخة وحدها كافية لتعلن أن الشمس بلغت رشدها، وأن العطلة بدأت، وأن الجدات سيجلسن في الظل، والأطفال سيخرجون بأفواه حمراء، وأصابع ملطخة ببذور الهندية، وكأنهم شاركوا في مؤامرة صيفية ضد النظافة.

لم تكن الهندية فاكهة. كانت مواطنة صالحة. لا تسأل عن جيبك. ولا عن منصبك. ولا عن سيارتك. تمد يدها للجميع. للفقير قبل الغني. وللعابر قبل المقيم. وكانت تقول، بلسان نبات الصبار: “كلوا… فالشمس للجميع.” ثم استيقظنا ذات صباح، فإذا بالحبة الواحدة بسبعة دراهم! سبعة دراهم! كدت أظن أن البائع أخطأ، وأنه يبيع معها قطعة من سور الصين، أو شهادة ملكية لإحدى جزر المالديف. لكن الرجل كان جادا. جادا إلى درجة أنني خفت أن أطلب منه تخفيضا، فيستدعي خبيرا اقتصاديا من البنك الدولي ليشرح لي أسباب ارتفاع الهندية في الأسواق العالمية!

قالوا إن شركات مستحضرات التجميل اكتشفت أن في بذورها زيتا نفيسا. يا سبحان الله! عاشت الهندية قرونا بين الفقراء، فلم يرها أحد. فلمّا دخلت مختبرات الكريمات، اكتشف العالم أنها كنز. وهكذا هي الدنيا. المغاربة يقولون: “اللِّي عندو الفلوس يزمر، واللي ما عندوش يقول: الله يرحم الوالدين.” حتى الصبار صار يحتاج إلى حساب بنكي. كان الفقير قديمًا يقول: “إذا لم أستطع شراء التفاح، فالهندية بنت البلاد.” أما اليوم، فقد أصبحت الهندية نفسها تنظر إليه من فوق الصندوق، كأنها وزيرة خرجت من سيارة سوداء. بل أخشى أن يأتي يوم تُباع فيه بالحراسة الخاصة. وأن يكتب تحتها: “المرجو عدم اللمس… الهندية حساسة.”

والله لو سمع الصبّار نفسه بثمنه الجديد، لاقتلع أشواكه حياء. فهذا النبات الذي علّم البشر الصبر، صار يعلّمهم التضخم أيضا. وليس أعجب من ذلك إلا أننا صرنا نستورد الفواكه الغريبة، بينما نخشى الاقتراب من فاكهتنا الوطنية. لقد انقلب العالم. حتى الأمثال المغربية تحتاج إلى تحديث. كانوا يقولون: “اللِّي فاتك بليلة فاتك بحيلة.” أما اليوم فأقول: “اللِّي فاتك بالهندية… فاتك براتب اشهر!” وأكثر من يبكي في صمت هو مغاربة العالم. أولئك الذين كانوا يحسبون أيام العودة كما يحسب العاشق رسائل حبيبته. لم يكونوا يعودون من أجل الفنادق الفاخرة. ولا من أجل المسابح. كان يكفيهم كرسي أمام باب الدار، وصحن هندية باردة، وكأس شاي بالنعناع، وضحكة أم تقول: “كُل… راها بلادك.” أما الآن، فقد يحتاج المهاجر إلى قرض استهلاكي ليحقق حلما كان، بالأمس، أرخص من زجاجة ماء. تذكرة الطائرة نار. الفنادق نار. المطاعم نار. والهندية… هي الأخرى قررت أن تدخل نادي الأثرياء.

ولأن السخرية بنت الحكمة، فلا بد أن نسأل: كيف تحولت ثمرة كانت تنبت وحدها بين الصخور، لا يزرعها أحد ولا تدللها البيوت البلاستيكية، إلى سلعة تعامل كما لو كانت عطرًا فرنسيا؟ لعل المشكلة ليست في الهندية.بل في العالم. هذا العالم الذي لا يترك شيئا على حاله. كل ما يلمسه السوق يتحول إلى رقم. حتى الذكريات أصبح لها ثمن. حتى الحنين صار يباع بالكيلوغرام. إن الفاكهة ليست مجرد غذاء. إنها ذاكرة. حين تغلو الهندية، لا يغلو السكر الذي فيها. بل يغلو الصيف نفسه. يغلو صوت الباعة. ويغلو ظل الأشجار. ويغلو ذلك الطفل الذي كان يحمل خمس دراهم، فيعود بطبق يكفي الأسرة كلها.

ويخيل إليّ أن الهندية، لو استطاعت الكلام، لوقفت في السوق تصرخ في وجوهنا: “أيها الناس… أنا لم أتغير. أنتم الذين غيّرتم العالم.” ولربما أضافت، وهي تضحك ضحكة جاحظية ساخرة: “كنت شوكة في خاصرة الجفاف…فجعلتم مني إبرة في علبة مستحضرات التجميل.” وهنا تكمن المأساة. ليست في سبعة دراهم. ولا في كريمات التجميل. بل في حضارة تستطيع أن تجعل الفقير عاجزا عن شراء الثمرة التي كانت، يوما، آخر صديق لفقره. ولذلك، لا أخشى اليوم على الهندية. أخشى على زمنٍ كانت فيه الفواكه تعرف أصحابها، وكان الصيف يدخل البيوت بلا بطاقة مصرفية، وكان المغرب يقول لأبنائه العائدين من المنافي: “ارجعوا… فهنا ما زالت الهندية تنضج للجميع.” فإذا بها اليوم تسألهم، ببرود موظف بنك: “هل معكم ما يكفي؟”

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *