قراءة في كتاب “الصراع الديموغرافي في فلسطين من النكبة إلى حرب الإبادة”

Dounia El Amal Ismail

دنيا الأمل إسماعيل, شاعرة و باحثة مختصة في الأدب الفلسطيني -باريس

كثيرة هي الكتب والدراسات التي صدرت عن الحرب على غزة، غير أن معظمها جاء بوصفه محاولة لتوثيق الموت، أو مقاومة النسيان في مواجهة موت يومي لم يتوقف. إنّها شهادات على زمن استثنائي، كتبها من عاشوا الحرب أو وقفوا على حافتها، ومن بينهم كتاب وأدباء وجدوا أنفسهم أمام سؤال الوجود قبل سؤال الكتابة: كيف يمكن للإنسان أن يحول الألم إلى ذاكرة، والنجاة إلى شهادة؟ ولعل مجالات السرد الأدبي، من القصة والشعر واليوميات، كانت الأكثر حضورا وانتشارا، لأنها الأقرب إلى نبض التجربة الإنسانية المباشرة. غير أن ظهور دراسة علمية تحاول قراءة الحرب من منظور جيوسياسي وديموغرافي، ومن قلب غزة نفسها بينما لا تزال الحرب مفتوحة على احتمالاتها، يمثل حدثا بحثيا يستحق التوقف والاحتفاء.

فحين يصبح الإنسان محور التحليل، لا مجرد رقم في جداول الإحصاء، فإن البحث يتجاوز حدود الأكاديمية الباردة ليدخل في صميم الصراع حول الوجود والهوية والمكان. ومن هنا تأتي أهمية دراسة: “الصراع الديموغرافي في فلسطين من النكبة إلى حرب الإبادة: السياسات والتحديات والمآلات” الصادرة عام 2026 عن مركز فينيق للبحوث والدراسات الحقلية في غزة، بدعم من المركز العربي للدراسات والبحوث، للباحثين الدكتور جمال البابا، المختص في الجغرافيا السياسية، والدكتور هاني طالب، الباحث في الشؤون السياسية.

تقدم الدراسة قراءة تحليلية شاملة للصراع الديموغرافي في فلسطين، باعتباره أحد المحاور المركزية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا بوصفه مجرد تنافس على الأرض والموارد، بل باعتباره صراعا على الإنسان ذاته: وجوده، وعدده، وانتشاره الجغرافي، وقدرته على البقاء والاستمرار في وطنه. وهذه النقلة المنهجية هي أهم ما يميز العمل؛ إذ تنقل الديموغرافيا من كونها علما للأرقام إلى كونها علما للوجود. فالعدد في هذا السياق ليس مجرد رقم. إنه ذاكرة جماعية. وهوية. واستمرارية تاريخية. إنه سؤال: من يبقى؟ ومن يغيب؟ ومن يملك القدرة على تعريف المكان حين يتغير سكانه؟

تتبع الدراسة الجذور التاريخية للاختلال الديموغرافي في فلسطين قبل عام 1948، باعتبارها مرحلة تأسيسية لفهم التحولات التي رافقت الهجرة اليهودية المنظمة، والاستيطان، وإعادة تشكيل الخريطة السكانية. كما تنتقل إلى تحليل آثار الحرب الأخيرة على غزة، من خلال دراسة أنماط النزوح والتهجير، وتداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية على النمو السكاني، والهجرة الداخلية والخارجية، والتوزيع الجغرافي للسكان. وتكمن أهمية هذا المحور في أنه يعيد تعريف الحرب باعتبارها لا تستهدف الجغرافيا وحدها، بل تستهدف العلاقة بين الإنسان والمكان. فالأرض ليست مساحة فارغة. الأرض هي سكانها. والسكان ليسوا كتلة بشرية عابرة. إنهم الذاكرة التي تمنح الأرض معناها.

منذ نكبة عام 1948 ارتبط المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، كما ترى الدراسة، بسياسات هدفت إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي لفلسطين، عبر التهجير والسيطرة على المجال الحيوي والهجرة المنظمة. وفي المقابل، أصبح الصمود الديموغرافي الفلسطيني أحد أشكال المقاومة الأساسية، حيث تحول البقاء نفسه إلى فعل سياسي. أن تبقى في المكان. أن تحافظ على وجودك. أن تستمر رغم محاولات الإزاحة. كل ذلك أصبح جزءا من معادلة الصراع. وتولي الدراسة اهتماما خاصا للتحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، باعتبارها نقطة تحول كبرى أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني والسكاني. فالحرب على غزة لم تنتج فقط دمارا ماديا هائلا، بل أحدثت تحولات عميقة في أنماط النزوح، والتوزيع السكاني، ومستقبل النمو الديموغرافي. وهنا تكمن أهمية الدراسة: أنها لا تنظر إلى الإنسان الفلسطيني بوصفه نتيجة للصراع، بل بوصفه مركز الصراع نفسه. فالإنسان ليس هامشا في معادلة السياسة. إنه المعادلة كلها.

ومن النقاط المهمة التي تسلط عليها الدراسة الضوء، تحليل الأدوات القانونية والأمنية والجغرافية التي تستخدم في إدارة الواقع الفلسطيني والتحكم في حركته ووجوده. فالديموغرافيا لا تعمل في فراغ. إنها تتقاطع مع القانون، والسياسة، والجغرافيا، والأمن. وكل تغيير في توزيع السكان يحمل في داخله سؤالا سياسيا حول المستقبل. غير أن قيمة الدراسة، على أهميتها، لا تمنع من ممارسة النقد معها. فبينما نجحت في إعادة الإنسان الفلسطيني إلى مركز التحليل، فإنها لم تتحرر بالكامل من بعض المصطلحات والمفاهيم التي تحمل إرثا استعماريا، وهي مفارقة تستحق التأمل. فاللغة ليست أداة محايدة في الدراسات المتعلقة بفلسطين. المصطلح ليس مجرد وعاء للمعلومة. إنه جزء من المعركة على تعريف الواقع. حين تتغير الكلمات، تتغير أحيانا طريقة رؤية العالم. ولهذا فإن استعادة اللغة البحثية الفلسطينية ليست مسألة شكلية، بل هي جزء أصيل من استعادة الرواية والهوية.ى فمن يملك القدرة على تسمية الأشياء، يمتلك جزءا من القدرة على تفسيرها.

ومع ذلك، تبقى هذه الدراسة محاولة علمية جادة ومبكرة لقراءة حرب لم تضع أوزارها بعد، وهذا بحد ذاته يمنحها قيمة خاصة. فالحكم النهائي على التحولات الديموغرافية التي أحدثتها الحرب يحتاج إلى زمن ومسافة تاريخية تسمح بقراءة أكثر اكتمالا. لكن شرف المبادرة يبقى قائما. لقد حاول الباحثان الإمساك بلحظة تاريخية وهي لا تزال تتشكل، وتحويل الحدث الجاري إلى سؤال علمي مفتوح. إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في أرقامه وتحليلاته، بل في السؤال العميق الذي يضعه أمام القارئ: هل الصراع في جوهره صراع على الأرض؟ أم أن الأرض نفسها ليست سوى مسرح لصراع أعمق حول الإنسان الذي يعيش عليها؟ ربما تكون الإجابة أنالأرض والإنسان لا يمكن فصلهما. فحين يستهدف الإنسان، تستهدف الأرض معه. وحين يدافع الإنسان عن وجوده، فهو يدافع عن معنى المكان نفسه. لهذا تصبح الديموغرافيا أكثر من علم للسكان. تصبح علما للذاكرة. وعلما للبقاء. وعلما للصراع على المستقبل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *