بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك مدن لا تعيش فوق الأرض فقط. هناك مدن تسكن أيضا تحت طبقات الزمن، تختبئ في الذاكرة مثل نبع قديم غطته الرمال، وتنتظر لحظة نادرة كي يزيح أحدهم الغبار عن وجهها فتعود إلى الكلام.ى والمحمدية، أو فضالة كما كانت تسمى في دفاتر التاريخ، واحدة من هذه المدن التي لا تنتهي حكايتها عند شاطئ أو ميناء أو شارع عابر، بل تمتد جذورها عميقا في تربة القبائل والرحلات البشرية والأسئلة التي تركها الأجداد معلقة في الهواء. في مساء الخميس 6 غشت 2026، لن يكون فضاء 5 أكتوبر بالمحمدية مجرد مكان لعرض كتاب. سيكون أشبه ببوابة زمنية صغيرة. بوابة تفتح على قرون من النسيان، وتسمح لأصوات غابت طويلا أن تعود لتجلس بين الناس. إنه لقاء تقديم كتاب الباحثة الراحلة دليلة طيب: “من أعلام زناتة في ذاكرة فضالة” لكن الكتب العظيمة لا تقدم نفسها بالحبر فقط. بعض الكتب تأتي محملة بأرواح أصحابها. وبعض الباحثين، حين يغادرون العالم، يتركون وراءهم مفاتيح لأبواب لم تفتح بعد.
رحلت دليلة طيب، لكنها لم تغادر تماما. فالذين يكتبون عن الذاكرة لا يموتون بالطريقة التي يموت بها الآخرون. إنهم يتركون أسماءهم موزعة بين الصفحات، مثل مصابيح صغيرة تظل مضاءة في ممرات التاريخ الطويلة. لقد اختارت الباحثة أن تنزل إلى أعماق فضالة، لا لتبحث عن ماض جامد، بل لتعيد بناء علاقة الإنسان بالمكان. فالمكان ليس حجرا. المكان ذاكرة تمشي على قدمين. وكل مدينة تخفي داخلها مدينة أخرى لا يراها إلا من امتلك شغف الحفر في طبقات الزمن. كتاب “من أعلام زناتة في ذاكرة فضالة” ليس مجرد سرد لأسماء شخصيات مرت من هنا. إنه محاولة لإنقاذ ذاكرة محلية من خطر الصمت. فالتاريخ لا يكتبه فقط أصحاب الأسماء الكبرى، ولا تحفظه وحدها المعارك الشهيرة. أحيانا يكون التاريخ الحقيقي مختبئا في زاوية قرية، أو في حكاية عجوز، أو في وثيقة عائلية ظلت تنتظر من يقرأ لغتها الصامتة. وهنا تكمن قيمة هذا العمل. لقد تعاملت دليلة طيب مع الذاكرة باعتبارها كائنا حيا. استمعت إلى الوثيقة. وسألت الرواية الشفوية. وعادت إلى المصادر القديمة والحديثة. ونبشت في مكتبة عائلية حملت آثار والدها الأستاذ موسى طيب، لتجمع خيوط قصة طويلة عن زناتة وصلتها بفضالة.

زناتة ليست مجرد اسم قبلي في صفحات التاريخ. إنها نهر بشري هائل عبر قرونا طويلة، حمل معه التحولات والهجرات والصراعات والتفاعلات الحضارية. وحين نتحدث عن زناتة فإننا لا نتحدث عن مجموعة بشرية فقط، بل عن ذاكرة كاملة ساهمت في تشكيل المغرب. عن قبائل تركت بصمتها في السياسة والعلم والعمران والثقافة. عن بني يفرن ومغراوة وكراوة ونفزاوة، وعن حركات بشرية صنعت جزءا من المشهد المغربي عبر العصور. لقد كان التاريخ بالنسبة لهذه الجماعات رحلة طويلة بين المكان والهوية. وكانت الأرض بالنسبة لهم ليست مجرد حدود. كانت كتابا مفتوحا. والجميل في هذا الكتاب أنه لا ينظر إلى فضالة باعتبارها نقطة صغيرة على الخريطة. بل باعتبارها ملتقى للوجوه واللغات والأديان والحكايات. فضالة القديمة لم تكن جزيرة مغلقة. كانت فضاء للتعايش، حيث عاش المسلمون واليهود والمسيحيون في نسيج اجتماعي ترك آثاره في ذاكرة المدينة. وهذه الحقيقة التاريخية تذكرنا بأن المدن الكبرى لا تبنى بالحجارة فقط. إنها تبنى أيضا بالاختلاف حين يتحول إلى غنى، وبالتنوع حين يصبح جسرا لا جدارا.
إن تنظيم هذا اللقاء من طرف الاتحاد المغربي للثقافات، وجمعية البحث ملتقى الذاكرة والتاريخ، ومختبر السرديات، ونادي القلم المغربي، ليس مجرد نشاط ثقافي عابر. إنه فعل مقاومة ضد النسيان. ففي زمن تتسارع فيه الذاكرة الرقمية وتزدحم فيه الأخبار العابرة، تصبح العودة إلى التاريخ المحلي نوعا من استعادة التوازن. لأن الإنسان الذي يفقد ذاكرته يصبح مثل شجرة فقدت جذورها. قد تبقى واقفة لبعض الوقت. لكنها تفقد القدرة على معرفة اتجاه الريح. وسيشارك في هذا اللقاء الباحثان نور الدين فردي وشعيب حليفي بورقتين تقديميتين، بتنسيق من إدريس الهواري، في لحظة ستتجاوز حدود تقديم كتاب إلى الاحتفاء بفعل الكتابة نفسها. كما ستكون الكلمات التي ستلقى باسم أصدقاء الراحلة والعائلة والجمعيات المنظمة، لحظة اعتراف بأن بعض الأشخاص لا يغادرون الحياة إلا ليصبح حضورهم أكثر اتساعا. فشفيق الزكاري، وسلوى طيب، وعبد الإله الرابحي، لن يقدموا كلمات عادية. بل سيحمل كل واحد منهم جزءا من تلك الذاكرة التي أرادت دليلة طيب أن تحفظها من الذبول.

ربما أجمل ما في هذا الكتاب أنه يطرح سؤالا بسيطا وعميقا في الوقت نفسه: كم من مدينة نعيش فيها ونحن لا نعرفها؟ وكم من أسماء مرت بجانبنا دون أن نعرف أنها كانت تحمل تاريخا كاملا؟ إن المدن لا تطلب منا أن نزورها فقط. أحيانا تطلب منا أن نصغي إليها. والمحمدية، في هذا اللقاء، لن تكون مجرد مدينة تستضيف تقديم كتاب. ستكون امرأة قديمة فتحت صندوقها السري وأخرجت منه صور أجدادها، وقالت للحاضرين: هؤلاء كانوا هنا. وهذه الأرض تذكرتهم. وهذا الكتاب جاء فقط لكي يعيد إليهم أصواتهم. في النهاية، لا يمكن اختزال “من أعلام زناتة في ذاكرة فضالة” في كونه مؤلفا عن الماضي. إنه كتاب عن الحاضر أيضا. لأن الأمم التي تحفظ ذاكرتها لا تعيش أسيرة الماضي، بل تستخدمه كجسر نحو المستقبل. والباحثون الحقيقيون ليسوا أولئك الذين يجمعون المعلومات فقط. بل أولئك الذين ينقذون الأرواح المختبئة داخل المعلومات. وهذا ما فعلته دليلة طيب. لقد لمست حجارة فضالة بيد الباحثة، فسمعت نبض الإنسان الذي كان يسكنها. وفتحت كتاب زناتة، فلم تجد قبائل فقط. وجدت قصيدة طويلة كتبها الزمن على جبين المغرب.
📲 Partager sur WhatsApp