بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في القرون القديمة كانت الإمبراطوريات ترسل جيوشها لعبور الحدود. كانت الخيول تصهل عند بوابات المدن، وكانت الرايات تتحرك فوق رؤوس الجنود، وكانت الحرب تعرف نفسها بسهولة: سيف في مواجهة سيف، وجيش في مواجهة جيش. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تغير شكل المعركة. لم تعد الحدود دائما خطوطا مرسومة على الخرائط. أصبحت الحدود أحيانا فكرة. وصارت المعارك الكبرى تخاض داخل العقول قبل أن تصل إلى الميادين. فالكلمة أصبحت طائرة بلا جناحين. والصورة أصبحت صاروخا لا يصدر صوتا. والإعلام أصبح أحد ميادين الصراع التي لا تهدأ. ومن هنا تأتي قضية الصحفية الروسية كسينيا فيدوروفا، التي تحولت من اسم في المشهد الإعلامي إلى رمز في معركة أكبر حول سؤال قديم متجدد: أين تنتهي حرية التعبير؟ وأين يبدأ الأمن القومي؟
قرار السلطات الفرنسية اتخاذ إجراءات ضد فيدوروفا، بدعوى ارتباطها بحملات تضليل إعلامي تقودها السلطات الروسية، أعاد فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في الديمقراطيات الحديثة. فالدولة الديمقراطية تواجه معضلة عميقة: كيف تحمي فضاءها العام من عمليات التأثير الخارجي، من دون أن تتحول عملية الحماية نفسها إلى باب يمكن أن يدخل منه تقييد الرأي؟ إنها معادلة تشبه السير فوق جسر معلق بين هاويتين. في جهة توجد مخاطر الدعاية المنظمة والتلاعب بالرأي العام. وفي الجهة الأخرى يوجد خطر أن يصبح الخوف من التضليل ذريعة لتضييق مجال الاختلاف. روسيا ترى في القرار الفرنسي اضطهادا سياسيا واستهدافا لصحفية بسبب مواقفها، بينما تعتبر باريس أن القضية لا تتعلق بالرأي المجرد، بل بدور إعلامي داخل منظومة نفوذ تستخدم المعلومات كسلاح جيوسياسي. وهنا تظهر الحقيقة الأكثر تعقيدا: في عصر الحروب الجديدة، لم تعد المشكلة في وجود المعلومات. بل في القدرة على تمييز الحقيقة وسط بحر من المعلومات. لقد انتقل العالم من زمن ندرة الأخبار إلى زمن فائض الأخبار. لكن كثرة الضوء لا تعني دائما وضوح الرؤية. أحيانا تكون كثرة المصابيح هي الطريقة الأذكى لصناعة الظلام.

لقد أصبح الإعلام في القرن الحالي يشبه الغابات في موسم الجفاف. كل شرارة صغيرة يمكن أن تتحول إلى حريق واسع. وكما أنّ الدول تبني أنظمة إنذار مبكر لمواجهة الحرائق الطبيعية، فإنّها تبني اليوم أنظمة إنذار لمواجهة حرائق المعلومات. لكن السؤال الأخطر هو: هل يمكن إطفاء حريق الأكاذيب من دون إتلاف أشجار الحقيقة؟ في التاريخ، كانت الدول تبحث دائما عن وسائل لحماية نفسها من الأخطار القادمة. العرب القدماء عرفوا مفهوم الحذر قبل وقوع المصيبة. وفي كتب السياسة والحكمة نجد فكرة التدبير والاستباق، حيث كان الحاكم العاقل لا ينتظر السيف عند عنقه لكي يبحث عن الدرع. وكانت القاعدة أن القوة الحقيقية ليست في الرد على الخطر فقط، بل في معرفة الطريق الذي يسلكه الخطر قبل وصوله. هذه الفكرة القديمة عادت اليوم بثوب جديد. لم تعد الدولة تراقب حدودها فقط. بل تراقب تدفق الأفكار. وتحلل حركة المعلومات. وتبحث عن الشرارة قبل أن تصبح حريقا اجتماعيا.
لكنّ التاريخ يعلمنا أيضا أن الخوف من النار قد يدفع البعض إلى إحراق الغابة كلها. فحين تصبح كل فكرة مخالفة مشتبها بها، وحين يتحول الاختلاف إلى تهمة، تصبح الحماية خطرا على الشيء الذي جاءت لحمايته. حرية التعبير ليست ترفا سياسيا. إنها مختبر المجتمع لمعرفة نفسه. لكنها أيضا ليست غطاء دائما للتدخلات المنظمة أو حملات التأثير التي تستهدف تقويض الثقة العامة. ولهذا فإن الديمقراطيات تواجه اليوم أصعب اختبار لها: كيف تحارب التضليل من دون أن تستخدم أدوات تشبه أدوات التضليل؟ إن قضية كسينيا فيدوروفا ليست مجرد ملف إداري أو قرار ترحيل. إنها مرآة لعصر كامل. عصر أصبحت فيه الحروب لا تحتاج دائما إلى دبابات. يكفي أحيانا أن تزرع الشك. فالشك هو السلاح الأكثر صمتا. إنه لا يدمر الجدران.بل يجعل الناس يتساءلون إن كانت الجدران موجودة أصلا.

روسيا والغرب يخوضان منذ سنوات مواجهة واسعة تتداخل فيها السياسة والطاقة والأمن والتكنولوجيا والإعلام. وفي هذه المواجهة أصبحت الحقيقة نفسها مجالا للصراع. كل طرف يتهم الآخر باستخدام الرواية كسلاح. كل طرف يرى نفسه مدافعا عن الحقيقة. وهنا تكمن المأساة الكبرى للعصر الحديث: أن الحقيقة أصبحت أحيانا أول ضحية في الحروب التي تخاض باسمها. ربما تحتاج البشرية اليوم إلى مبدأ جديد يشبه قوانين الوقاية القديمة. كما كانت المدن تبني خزانات الماء قبل اندلاع الحريق، تحتاج المجتمعات إلى بناء خزانات من الثقة قبل انفجار أزمات المعلومات. الثقة هي نظام الإطفاء الأول للديمقراطية. وحين تنهار الثقة، تصبح كل شرارة قابلة للتحول إلى حريق. إن المستقبل لن يكون للأكثر قدرة على إسكات الآخرين. ولا للأكثر قدرة على نشر الروايات. بل للأكثر قدرة على بناء مجتمعات تملك مناعة فكرية عالية. مجتمعات لا تخاف من الأسئلة. ولا تستسلم للأكاذيب. ولا تسمح بتحويل الإنسان إلى مجرد أداة في حرب بين القوى الكبرى. ففي النهاية، المعركة الحقيقي ليست بين صحفي ودولة. ولا بين الشرق والغرب فقط. إنها معركة أعمق: معركة الإنسان للحفاظ على حقه في معرفة العالم كما هو، لا كما يريد الأقوياء أن يروه
📲 Partager sur WhatsApp