كان يا ما كان… حنّاء بين أصابع ليلى بيون

بقلم زكية لعروسي، باريس

مرافعة عن أبناء المهجر… أولئك الذين يحملون المغرب في نبضهم… إلى سعادة سفراء المغرب في كل مكان، إلى مديري المراكز الثقافية المغربية، إلى كل من يظن أن الوطنية تموت بخروج صاحبها من الحدود: هذا المقال ليس تأبينا، بل إعلان حب…لكن قبل أهذي كلماتي إلى ليلى بيون، تلك التي اختارت أن تعود من باريس إلى الرباط كي تهمس للحناء: “أيتها العجوز الحمراء، علميني كيف أرسم وطني على وسائد من ينامون في الغربة…”

لم يكن الحناء يوما نباتا يابسا يطحن ليعجن، بل وصية بالغة همست بها أمهاتنا لأجساد بناتهن قبل أن يدخلن معترك الحياة. في البدء كان الحناء، ذلك الحبر الحي الذي لا يجف، والذي ظل عبر آلاف السنين الوشم المؤقت على جسد الإنسان الحائر بين الخلود والفناء. والسؤال الذي يصرخ بهذا المقال، ولا ينتظر جوابا من جدران الصمت الدبلوماسي: كيف لابنة المهجر أن تعيد إلينا الحناء كي نرى أنفسنا فيه، ونحن نغفوا على وسائد نسياننا؟

ليلى بيون، تلك الفتاة التي ولدت في باريس من أب فرنسي سياسي وأم مغربية من فاس العريقة ثوريا وسوس، لم تكتف بأن ترث جذورها، بل اغتصبتها بأدب المحب، ثم أعادت صياغتها كي تصير لغة معاصرة لا تفهمها إلا القلوب المتعطشة للجمال. الحناء ليس مجرد صبغة حمراء تزين الكفين في الأفراح. الحناء، يا سادة، أول كتابة عرفتها البشرية قبل الأبجدية. في جذوره يمتد إلى الفراعنة الذين كانوا يحنطون به موتاهم كي لا ينسوا الطريق إلى الآخرة. وفي بلاد الرافدين كان العشاق يتبادلون رسائل الحناء كي لا يغتال الزمن وعودهم. وفي الهند، لا تزال العروس تحمل الحناء كتوقيع القدر على جسدها قبل أن تسلم روحها لزوجها. أما عند الصوفية، الحناء هو ذكرى الجنة التي هبط منها آدم. يروي الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي أن الحناء هو “دم الشجرة المباركة”، وأن من وضع الحناء على جسده فقد تعاهد مع الله على ألا ينسى أصله العلوي. وفي الطريقة القادرية، يختتم الذكر بوضع نقطة حناء على جبين المريد كأنها عين ثالثة ترى ما لا تراه العينان.

وفي المغرب، الحناء بالنسبة لليلى بيون جسور، قبلة الجدة لأحفادها قبل السفر. هو أول ما تتعلمه الفتاة قبل أن تتعلم الحروف. هو سر الأمهات الذي لا يبوح به للرجال. ليلى بيون، تلك العائدة من المهجر، لم تأت لتدرسنا التراث… جاءت لتذكرنا بأننا نسيناه في خزائن الصدأ. تخيلوا معي, قرائي الأعزاء, هذا المشهد: طفلة صغيرة في باريس، بجذور تمتد من فاس العتيقة، ترى أمها ترسم الحناء على كفيها كل عيد، ثم تذهب إلى مدرستها الفرنسية التي لا تعرف أن الأحمر يمكن أن يكون أكثر من مجرد لون في علبة ألوان.

تلك الطفلة هي ليلى بيون اليوم. تلك التي درست في أعرق معاهد الموضة الفرنسية (Studio Berçot)، وعملت مع كبرى الماركات العالمية (Dim، Playtex، Texlibris)، ثم فجأة… عادت. عادت ليس لأن فرنسا طردتها، بل لأن المغرب كان نزيفا صامتا في شرايينها لا يتوقف. تقول ليلى في صمت أعمالها: “تعلمت في باريس كيف أصنع الجمال، لكني في الرباط تعلمت لماذا أصنع الجمال”. لقد أسست “Lalla De Moulati” في 2013، إسما يجمع بين نداء الأمومة المغربي “للا” واللقب الأرستقراطي الفرنسي “De”. لم تكن تبحث عن علامة تجارية رابحة، بل كانت تبحث عن لغة تجمع شتاتها الداخلي. ومنذ ذلك الحين، وهي تحول البيوت إلى قصائد، والوسائد إلى مخطوطات، والحناء إلى أبجدية بصرية لا يحتاج قارئها إلى ترجمة.

في عام 2020، منحت مؤسسة البنك الشعبي المغربي “كارت بلانش” لليلى بيون في معرضها الفني. لم تطلب أموالا، ولم تطلب شهرة. طلبت شيئا واحدا: “دعوني أعمل مع حرفيي الخميسات، أولئك الذين لا يعرفهم أحد”. وهكذا ولد “Kan Ya Makan – Le Riad Itinérant”. كحكاية خرافية تروى بالخشب والفضة والنسيج والحناء. تخيلوا رجلا ضل في الصحراء، فوجد خيمة بيضاء تضيء بألف قنديل، وداخلها يقف الرياض المغربي كاملا: مريديّات من خشب الثويا، وسائد مطرزة بغرز فاسية، ومرايا تحدثت مع من يراها، وأطباق خزفية تأبى أن تخلو من طعام الروح.

لكن السر الأعظم؟ الحناء كان حاضرا في كل شيء. على الستائر، على الوسائد، على اللوحات، حتى على الطاولات. وكأن ليلى كانت تقول: “هذا ليس ديكورا، هذا جسد… والجسد بلا حناء عار”. كتب عنها الناقد الفني فاريد الزاهي كلمات لا تزال ترن في أذن الدهشة: “ليلى بيون لم تأت لتصنع معرضا، بل جاءت لتعيد إحياء أسطورة شخصية، أصلها المفقود والمستعاد”. والآن… وبعد كل هذا الجمال، نسأل بمرارة المقيم في المنفى: لماذا لا تعرف السفارات المغربية في المهجر أبناءها المبدعين؟

ليلى بيون، هذه المرأة التي صممت بطاقات التهنئة لسنة 2024 لسفارة فرنسا في الرباط، والتي تعاونت مع معهد العالم العربي في باريس، ومع كبرى الماركات العالمية… ليلى بيون التي رشحها الفرنسيون لتمثيلهم، لم يرشحها مغاربة المهجر لتمثيلهم قط. هل لأنها امرأة؟ أم لأنها تعمل بالحناء الذي يذكرنا بـ”النسوية” التي نخاف منها؟ أم لأنها ببساطة تعيش خارج الرادار، والرادار الرسمي لا يرى إلا من يصنع الضجيج؟

نحن نصرخ الآن، ومن هذا المقال، لكي تسمعوا: أبناء المهجر ليسوا خونة لأنهم غادروا. كثيرون منهم غادروا كي يتعلموا كيف يعودون. ليلى بيون نموذج للتمسك بالجذور بجنون العاشق، نموذج للمواطنة التي لا تستجدي، بل تخلق. كم من ليلى بيون يعيشون في باريس، لندن، مونتريال، الدار البيضاء الكبرى التي هي أيضا نوع من المهجر؟ كم من كنوز إبداعية نحن نغفلها لأننا لا نملك عيونا ترى؟ وكم سنخسر من وطنية أبنائنا إذا استمررنا في تجاهلهم؟

إلى سعادة سفراء المغرب في كل مكان، إلى مديري المراكز الثقافية المغربية في باريس وبروكسيل وواشنطن وطوكيو، إلى وزارة الثقافة والشباب والتواصل، إلى مؤسسة البنك الشعبي التي سبقت الجميع بخطوة، هذا المقال ليس مديحا، بل استغاثة. أبناء المهجر الذين يتشبثون بجذورهم هم سفراء المغرب الحقيقيون، أولئك الذين لا يوقعون اتفاقيات، بل يوقعون على قلوب البشر. ليلى بيون هي آية من آيات هذا الجمال. تصاميمها تحمل الحناء كرسالة: “أنا مغربية، وهذا دليل لا يمحى”.

كم نحن بحاجة إلى مركز ثقافي يجمع هؤلاء المبدعين، إلى جائزة سنوية تسمى “جائزة المهجر للإبداع”، إلى برامج دعم تليق بحجم التضحيات التي يقدمها هؤلاء ليظل المغرب ينبض في عروقهم؟ عيون الورقاء سترحل اليوم وغدا لتكتشف هذه الطاقات وتضعها على منصة ترى بالعين المكشوفة لا بالمجهر؛ وإلا، فبأي وجه سنواجه أبناءنا في المهجر حين يسألوننا: “لماذا أحب بلدا لا يحبني؟”

الحناء في جبين ليلى بيون… شهادة ميلاد دائمة. فليلى بيون لا تحتاج إلينا. هي بخير، تعرض أعمالها في المعارض، وتباع منتجاتها. لكن من نحن؟ من نحن كدولة ومؤسسات إذا لم نكن نرى من يرانا بعيون الحب؟ الحناء في جبين ليلى بيون ليس زينة. هو تذكرة عبور إلى أصل لم تغادره قط. هو شهادة ميلاد لا تحتاج إلى ختم قنصلي لتصدق. هو حلم امرأة قررت أن تكون وطنها بنفسها حين عجز الوطن عن احتضانها.

بعد قراءة هذه الكلمات، نقف أمام خيارين: إما أن نمر عليها، أو أن نغضب. نغضب لأن مبدعي المهجر لا يرى نورهم. ثم نتحرك. نكتب، ننادي، نطالب، نضغط. لعل أذنا صماء تسمع، أو عينا عمياء تبصر. لأن الحناء، حين يكتب به، لا يمحى… كما لا يمحى المغرب من قلوب أبنائه وعشاقه… إنها كلمات تصرخ من أجساد المغاربة المقيمين في المهجر… أولئك الذين ما زالوا يضعون الحناء على أكفهم كل جمعة كي لا ينسوا لون تراب بلادهم..

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “كان يا ما كان… حنّاء بين أصابع ليلى بيون

  1. الوطن بما يعني من تراب، هواء، حجر وماء، رمل وجبال، هو اكثر من كونه كذالك. هو كذلك محمولك الميتا- فيزيقي- الرمزي والروحي الذي هو محمولك اللامادي، هو يسكن وانت اسكنه. وتحمل بعض ظاهر على جلدة جسدك: الوشم، السحنة الاسم، وفي عمق كيانك: اصوات الاهازيج الموسيقية والوان تروق الاسم دون غيرها، لهجتك ولكنتك….هذا هو الوطن ومسقط الرأس من حيث تكون انت- انت. الوطن ليس جغرافيا فيزيقية، هذا الجانب واحد القارات. الوطن في أرض تحمل اسم المغرب اي حيث تغرب الشمس، الجمعه امتدادات الوجود بين اقطاب أربع: السماء والارض ومقدسك و العلاقة بالأشباه/ الاغيار. ومحمول هؤلاء الفانين، ومنهم انت ابن هذه الارض، هي تامغربيت في تعدد لسنها واختلاف رمزها.
    في هذا الأفق يتعين أن نفهم ما معنى أن تعيش الهجر والغربة عن مسقط الرأس. انت تهاجر بكثير من المحمول الميتافيزيقي الذي هو إسمنت الانتماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *