أحداث جمهورية مالي، هل يضيع المغرب الفرصة؟

أحمد نورالدين، خبير في العلاقات الدولية 27.04.2026

لم يكن صدفة أن يتزامن اعتراف باماكو بمغربية الصحراء شهر أبريل 2026 مع أكبر هجوم منسق، تتعرض له دولة مالي من طرف تحالف يضم حركات انفصالية أزوادية وحركات إرهابية تنشط شمال مالي، مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المتفرعة عن تنظيم القاعدة في الصحراء الكبرى، والذي كان منذ نشأته تحت سيطرة متطرفين جزائريين تربطهم علاقات مع الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية ومنهم عبد المالك درودكال والمختار بلمختار الملقب بالأعور وعبد الرزاق البارا والعنابي وغيرهم كثير ممّن غيروا الاسم فقط بينما بقي المسمّى، حيث انتقلت الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية GIA» « و”جند الخلافة” “والجماعة السلفية للدعوة والقتال” إلى مُتحوّرات كثيرة تعيث إرهاباً وفساداً في الساحل والصحراء، منها تنظيمات “الموقعون بالدم” و”الموجاو” و”أنصار الدين” ولاحقاً تنظيم الدولة “داعش” وهلمّ جراً.

كما أنه لم يكن صدفة صمتُ الجزائر الرسمية طيلة الأيام الماضية دون إصدار بيان حول ما يجري في مالي وهي المعروفة بالإسهال في إصدار البيانات الرئاسية والخارجية على أشياء تافهة لا تعيرها الدول اهتماماً. وطبعاً في اليوم الثالث من الهجمات، وبعد أن نددت معظم دول العالم، وبعد أن تأكد لدى الجزائر فشل مخططها الإرهابي الانفصالي لم تصدر خارجيتها ولا رئاستها بياناً، ولكن اكتفى وزير خارجيتها أحمد عطاف يوم الإثنين 27 أبريل بتصريحات للصحافة يدعي فيها أن الجزائر “تقف إلى جانب وحدة أراضي مالي وضدّ كل أشكال الإرهاب”، ولاحظوا أنه لم يقل “تقف إلى جانب مالي”، ولاحظوا أنه لم يدن “العملية الإرهابية في مالي” وإنما يدين “كل أشكال الإرهاب..”! إنه قميص يوسف الذي أرادت الجزائر أن تخفي به آثار الجريمة، ولكن إعلامها الرسمي والموازي، وطيلة أيام الهجوم الأولى، ظلّ يعطي الدليل تلو الآخر على أنّ الجزائر تقف وراء العملية الإرهابية تخطيطا ودعما لوجستيا، فقد انبرت منابرها الإعلامية للنكاية والتشفّي في جمهورية مالي، وظل الإعلام الجزائري يؤكد على أن ما جرى هو نتيجة المواقف والتحالفات الجديدة لباماكو، في إشارة واضحة إلى المغرب. 

كما ان الإعلام الجزائري ظلّ يهدد مالي بعواقب انسحابها مما يسمى اتفاق الجزائر الذي ولد ميتاً سنة 2015، بل وصل الأمر برئيس الجزائر عبد المجيد تبون في تصريحات أمام الصحافة الجزائرية في شتنبر 2020 عقب الانقلاب على الرئيس المالي أبو بكر كيتا، أن هدد بشكل علني وصريح بأن “حلّ الازمة في مالي لن يتم إلاّ بالاتفاق مع الجزائر”، وهذا كلام خطير يتجاوز التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، إلى محاولة فرض الوصاية عليها. وهو ما استنكرته مالي في حينه، وأدى بالرئيس الجزائري إلى محاولة تدارك الأمر في تصريحات لاحقة يزعم فيها احترامه سيادة مالي، ولكن الرصاصة كانت قد خرجت من المسدس ولا يمكنها العودة..

وتكرر الأمر في تصريحات صحافية لمجلة le point الفرنسية في يونيو 2021 قال فيها أنّ “الدستور الجزائري يسمح للجيش الجزائري بالتدخل في مالي” وغيرها من التصريحات والحوارات منها ما قاله ايضاً في 30 يوليو 2022. كما أنّ الرئيس الجزائري كان قد تهجم على منظمة التعاون الاقتصادي لدول غرب إفريقيا «CEDEAO »  بمناسبة إيفاد لجنة إلى مالي للوساطة بعد الانقلاب العسكري سنة 2020، واعتبر أنّ تلك المنظمة كان عليها أن تتشاور مع الجزائر قبل إيفاد اللجنة، وهو ما يتنافى مع كون مالي دولة مستقلة ذات سيادة، ومع كون مالي عضوا في “CEDEAO”.  كلّ هذا يؤكد النوايا السيئة للجزائر التي تسعى إلى فرض هيمنتها ووصايتها على دولة مستقلة هي مالي، وفي حالة رفضها فإنها ستتعرض لكل أشكال الابتزاز والترهيب والتهديد بواسطة الجماعات الإرهابية والانفصالية التي تتحكم الجزائر في أوراقها على الحدود. وغير خافٍ أنّ تورط الجزائر مع الجماعات الإرهابية شمال مالي أصبح أمراً لا يشكك فيه أحد سواء من خلال اعترافات الجنرال آيت وأعرابي أثناء محاكمته بمدينة وهران سنة 2015، أو من خلال ما أكدته تسريبات “ويكي ليكس” من السفارة الأمريكية بالجزائر سنة 2013، والتي تحدثت عن صفقة بين المخابرات العسكرية الجزائرية « DRS » آنذاك، مع تنظيم “الموقعون بالدم” لتنفيذ عمليات إرهابية ضد مصالح المغرب في أقاليمه الجنوبية بالصحراء، مقابل توفير الغطاء للتنظيم الإرهابي للتحرك عبر الحدود الجزائرية مع مالي.   

ثم توالت الحوادث والاعتداءات الجزائرية على السيادة المالية إلى أن تم إسقاط طائرة مسيرة تابعة للجيش المالي من طرف الجيش الجزائري داخل التراب المالي في قرية تين زاواتين الحدودية في أبريل 2025، ما دفع مالي إلى رفع شكوى أمام منظمة الأمم المتحدة، متهمة النظام الجزائري بدعم الإرهاب وتهديد الاستقرار في مالي، وكان ذلك على لسان وزير خارجيتها عبد الله ديوب، ثم الوزير الأول المالي عبد الله مايغا من فوق منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر من نفس السنة. هذا الاسترجاع أو “الفيدباك” كان ضرورياً للتأكيد على الأحداث الموثقة، وعلى السجل الطويل للجزائر في دعمها للإرهاب والانفصال، وتهديدها للاستقرار في منطقة الساحل والصحراء وفي المنطقة المغاربية على حدّ سواء، والغرض من هذا التذكير هو عدم إضاعة الفرصة هذه المرة، كما سبق وضيعنا الكثير من الفرص الذهبية، لتوجيه الضربة القاضية للنظام الجزائري الذي لا يدخر جهداً لزعزعة استقرار المنطقة، وهدم وحدة أراضي دولها واحتضان الانفصال والتعاون مع الجماعات الإرهابية. 

الفرصة اليوم سانحة لضرب عدة عصافير بحجر واحد:

أولا: تقديم الدعم المباشر والسريع لمالي لتجاوز محنتها، وتعزيز أمنها واستقرارها بطريقة ذكية دون التورط رسميا على الأرض لأن جغرافية هذا البلد تعتبر بمثابة فخ حتى للدول الكبرى كما رأينا في تجارب “باراخان” وغيرها. لذلك يجب ان يكون التدخل بأشكال مبتكرة، و باستعمال التكنولوجيات الحديثة والأقمار الاصطناعية و”الدرونات” والعمليات الجراحية الخاصة، بالإضافة إلى الخبراء لبناء قدرات الجيش المالي. وهذا سيعزز رصيد الثقة في المغرب كحليف يعتمد عليه وفي نفس الوقت سيحتضن المشروع الاستراتيجي لربط الدول الحبيسة في الساحل والصحراء بالموانئ المغربية على الأطلسي، والذي تسعى الجارة الشرّ-قية إلى إفشاله بكل الوسائل. 

ثانيا: تسريع تنفيذ المشروع الاستراتيجي لفك العزلة عن الدول الحبيسة من خلال مشاريع استثمارية ملموسة ومربحة للطرفين حتى لا يبقى المشروع حبيس الرفوف والاتفاقيات.

ثالثا: شن هجوم دبلوماسي واسع النطاق، وبتنسيق مع الدول الموثوقة على المستوى الإفريقي أولا ثمّ الدولي بعد ذلك، من أجل حشد الرأي العام العالمي ضد الجزائر كدولة تصدر عدم الاستقرار وراعية للإرهاب والانفصال، انطلاقا من الأحداث الحالية في جمهورية مالي، مع تعزيز الملف بكل المعطيات الأخرى التي أوردنا جزءا يسيرا منها في هذا المقال، بما يسمح به المقام وإلاّ فهناك من الوقائع ما يمكن أن يشكل موسوعة وليس مجرد صك اتهام للجزائر. وستكون هذه الحملة الدبلوماسية بمثابة مقدمة لهجوم كاسح داخل الاتحاد الإفريقي لطرد الكيان الوهمي من خلال مرافعة قانونية وسياسية استقصينا في مقالات كثيرة حيثياتها وأُسُسها. فهل سنغتنم الفرصة هذه المرة أم سنبكي على الأطلال بعد فوات الأوان ككلّ مرة؟!  

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *