الحلقة الأولى ويخلق من الشبه أربعين… إعداد: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
يقول المثل الشعبي: “يخلق من الشبه أربعين”، ولعل قائل هذا المثل لو قُدّر له أن يجلس أمام شاشة التلفاز في زمن البث الفضائي، ثم يتنقل بين مباراة للمنتخب الهولندي وسهرة فكاهية مغربية، لزاد على الأربعين أربعين أخرى. ذلك أن العين، وهي تتأمل ملامح الحارس الهولندي العملاق إدوين فان دير سار، لا تلبث أن تستدعي، من غير استئذان، وجه الكوميدي المغربي مهيول، حتى ليخال المرء أن بين الرجلين قرابة ضيّعها موظف الأحوال المدنية، أو أن الطبيعة، وقد أعجبها الوجه الأول، أعادت طبعه ثانية وهي تبتسم.
فان دير سار، ذلك الحارس الذي كانت هولندا تنام ملء جفونها ما دام واقفًا بين القائمين، طويل القامة، مهيب الطلعة، قليل الكلام، كثير الإنقاذ. أما مهيول، فكان هو الآخر حارسا، ولكن من طراز آخر؛ يحرس الضحكة من أن تهرب من أفواه المغاربة، ويقف في مرمى الهموم، يتلقى كرات الحياة الثقيلة بصدر رحب، ثم يعيدها إلى الجمهور قهقهة صافية. وإذا كانت الحراسة الأولى تحتاج إلى قفازات، فإن الثانية لا تحتاج إلا إلى خفة روح، ولسان حاضر، ووجه يعرف كيف يحوّل العبوس إلى ابتسام.

وليس الشبه بين الرجلين مجرد مصادفة عابرة في رسم الأنف أو امتداد الجبهة أو استدارة الذقن، بل يتسلل حتى إلى تعابير الوجه، وإلى التفاتة الرأس، وإلى حركة اليدين، حتى إن المشاهد، وهو يتابع فان دير سار يطير لالتقاط كرة مستحيلة، يكاد ينتظر أن يطلق نكتة مغربية قبل أن يهبط إلى الأرض. وبالمقابل، حين كان مهيول يعتلي الخشبة رفقة رفيق دربه السفّاج، ويشرع في نسج مواقفه الساخرة، كان بعض المتفرجين يحتاجون إلى لحظة قصيرة ليقنعوا أنفسهم أن الذي أمامهم ليس حارس مرمى خرج من الملعب على عجل، وقرر أن يجرب حراسة الضحك بدل حراسة الشباك.

ولعل أجمل ما في الشبه أنه يربك الذاكرة؛ فلا تدري أتشاهد مباراة في كرة القدم أم لوحة من المسرح الشعبي، ولا تميز أحيانا بين من يتصدى للكرات، ومن يتصدى للأحزان. غير أن الأقدار، وهي التي تتشابه في صناعة الوجوه، لا تتشابه دائما في توزيع الأرزاق. فقد كتبت لفان دير سار مسيرة احترافية زاخرة، حملته بين كبريات الأندية الأوروبية، وأغدقت عليه الشهرة والثروة والتقدير، حتى غدا أحد أعلام حراسة المرمى في تاريخ الكرة العالمية. أما مهيول، فقد اختارته الحياة ليكون من أولئك الفنانين الذين أغنوا الذاكرة الشعبية أكثر مما أغنتهم الحياة نفسها؛ منح الناس لحظات من الضحك الصادق، بينما ظل نصيبه من الدنيا أقل بكثير من نصيبه في قلوب الجمهور.
وهكذا يبقى حال كثير من الفنانين المغاربة شاهدا على مفارقة مؤلمة؛ إذ قد يصنع الفنان ثروة من البهجة في وجدان الناس، لكنه يعجز عن صناعة ثروة تقيه قسوة الأيام. ويبقى أن الشبه لا يصنع المصائر، وإنما يصنع الدهشة. فالوجوه قد تتلاقى حتى تكاد تكون صورة واحدة، أما الأقدار، فلها رسام آخر، يوزع الحظوظ كما يشاء، ويجعل من رجل أسطورة في الملاعب، ومن آخر أسطورة في ذاكرة الضحك المغربي. ولعل هذه هي الحكمة التي أرادها المثل الشعبي منذ البداية؛ فالله يخلق من الشبه أربعين… لكنه لا يخلق من الأقدار إلا ما كتبه لكل واحد منها.
📲 Partager sur WhatsApp