بقلم زكية لعروسي, باريس
بعد ستة وثلاثين عاما من صرخة المفاعل الرابع، تجول ظلال رمادية في المنطقة. كلاب تشرنوبيل ليست أشباحا ولا وحوشا. إنهم حراس سر نسيه الإنسان: كيف تبقى حيا حيث الموت في كل مكان؟ عندما تمزقت السماء فوق بريبيات في أبريل 1986، نزلت نيران السماء إلى الأرض. هرب البشر، تاركين بيوتهم وأيقوناتهم… وكلابهم. تقول الأسطورة الرسمية أنه تم إرسال فرقة خاصة لإبادة “الحيوانات الضالة” لمنع انتشار التلوث. لكن الحياة، المتمردة دوما، قررت غير ذلك.
في التراث العربي القديم، الكلب كائن عتبي (حدودي). يقول الجاحظ في كتاب الحيوان: “الكلب ليس أليفا بالكامل ولا متوحشا بالكامل، بل هو “حارس العتبة”. كلاب تشرنوبيل تقيم اليوم على تلك العتبة القصوى: العتبة بين عالمنا القابل للحياة والسم الخفي. مثل الكلاب الكلبية عند الإغريق القدماء (كلاب برونزية صاغها هيفايستوس وأهداها لزيوس، لا تعرف الكلل ولا السم)، يبدو أن هذه الكلاب تتحدى قوانين المادة الأساسية. خلافا لكل التوقعات، يعلن العلم الحديث براءتها. دراسة عام 2023 في Science Advances تقول بوضوح: هذه الكلاب ليست ممسوخة. شفرتها الوراثية لا تظهر أي “قوة خارقة” مكتسبة لمواجهة الإشعاع. إنها ليست “هالك” السهوب. إذاً، ما هو سحرها؟
كان أطباؤنا العرب القدامى، مثل ابن سينا، يعترفون لها بفضائل “المزاج الثالث”. علّم ابن سينا أن بعض الكائنات، إذا تعرضت للسم تدريجيا، تطور “مزاجا ثالثا” ليس هو الصحة ولا المرض. هذا ما تتحدث عنه الدراسة بالضبط: تجزؤ جيني. كلاب تشرنوبيل ليست شعبا واحدا، بل قبائل عديدة معزولة. هذا العزل، هذا الزواج الداخلي القسري، قضى بشكل متناقض على السلالات الأكثر هشاشة، ولم يبقِ إلا تلك القادرة على تمثُّل السترونتيوم والسيزيوم كما يمثِّل غيرها الملح. أطلق الإغريق على هذا اسم “أنتيدوتوس” (Antidotos): الترياق بالاعتياد. هذه الكلاب هي التجسيد الحي لقوة الطبيعة الشافية، التي تتكيف حتى مع الكارثة.
لكن السر الحقيقي ليس في عظامها، بل في طعامها. يذكر المقال الحديث طعاما “انتهازيا”: جيفا وبقايا بشرية وقوارض صغيرة… لكن التقاليد الطبية القديمة كانت تعلم أن منطقة تشرنوبيل، تلك الأرض المشعة، تزخر بترياقات طبيعية. في طب الأعشاب العربي الفارسي، تشتهر كلاب السهوب الضالة بأنها ترعى غريزيا الأرطميزيا (الشيح) ولسان الحمل عندما تتقرح معدتها من السموم. تحتوي هذه النباتات على نسب عالية من الكلوروفيل والعفصيات، المعروفة بقدرتها على “استخلاب” (تثبيت) بعض المعادن الثقيلة والنظائر المشعة في الأمعاء. كلاب تشرب من ماء البرك، الذي ترشح عبر قرون من ترسبات الفحم النباتي (من الغابات التي احترقت عام 1986). الفحم النشط الذي وصفه ديسقوريدس بأنه “ترس البطن”. كلاب تشرنوبيل أعادت تكوين مستشفى قديم بغريزتها. بقاؤها ليس معجزة، إنه كيمياء بدائية.

هذا هو الدرس المرعب. البشر، المجهزون بأجهزة غايغر وبدلات الوقاية والعلم، هربوا. الكلاب، العارية تحت الرماد، بقيت. نجت الكلاب لأنها لم تخف من السم؛ كانت تخاف فقط من غياب الإنسان. لكن الإنسان، هو، لم يعد.من هذه الفجوة يولد التعليم: الإنسان الحديث فقد “حاسة العتبة”. استبدل الغريزة بالتكنولوجيا. أسلافنا (العرب والفرس والإغريق) عرفوا أن الصمود في وجه الكارثة لا يأتي من الدرع، بل من “الألفة مع المجهول”. كلاب تشرنوبيل لا تعلم أنها تعيش في مقبرة مشعة. بالنسبة لها، إنها أرضها. إنها لا تعاني الإشعاع، بل تسكنه. العبرة جميلة ومرعبة في آن واحد: “لن تنجو من محنتك بالهروب منها. ولن تتغلب عليها بجدران الملجأ أو القناع الزجاجي. بل ستخترقها كما يخترق الكلب الضباب: لا مصدقا به ولا نافيا إياه، عالما أن الأرض الأم، حتى مجروحة، لا تزال تحمل في أحشائها نباتات الشفاء.”
تلك الليلة، أمام تابوت المفاعل، رفعت كلبة شعتاء رأسها إلى القمر الأبيض. فراؤها الرمادي يلمع في بعض الأماكن بوميض أزرق غريب (هل هو توهج شيرينكوف؟). إنها لا تعوي. إنها تصغي. يجري في عروقها دم السلوقي الفارسي (الذي جلبه الملوك السكيثيون القدماء)، والملوسي الإغريقي (حارس معبد دلفي)، و الراعي القوقازي. إنها وريثة كل كلاب العتبات. يقال في التقليد الغنوصي أن الكلب هو نموذج المعرفة المباشرة غير المفاهيمية. إنها تعلم أن الكارثة ليست عقابا إلهيا، بل حادثة مادية. والمادة، مثل الكلاب، لا تهمها الآلهة. إنها تتكيف. إذا، عندما يحترق عالمك، تذكر قارئي: تحلَّ بشيء من الكلب. اخفض الخطم. ابحث عن الشيح. اشرب الفحم. والأهم، لا تتوقف عن البحث عن الإنسان، حتى لو اختفى الإنسان. كتبت النص , قارئي العزيز, بغضب المزامير لمن يجرؤ على الإيمان بأن الحياة لا تزال ترقص على الرماد.
📲 Partager sur WhatsApp
جميل. ثرخة من الأعماق على عالم بوسك على الاحتراق. تحياااتي على الكلمات المنتقاة بعناية.
الشكر لمن يقدرون عمق الكلمة.. تحياتي
نصك يتجاوز مجرد الكتابة، إنه استحضار لوعي مفقود. لقد أبدعت في تحويل تشرنوبيل من مقبرة صامتة إلى مختبر للحكمة الغريزية، حيث يصبح الكلب هو الفيلسوف الحقيقي الذي يعلمنا كيف نسكن المحنة لا كيف نهرب منها. الربط بين العلم الحديث ورؤى ابن سينا والجاحظ منح المقال عمقا معرفيا نادرا، وكأنك تذكريننا بأن الحلول ليست دائما في التكنولوجيا المعقدة، بل في العودة إلى تصالحنا الأول مع الأرض وترياقها الخفي. مقال يوقظ فينا حاسة العتبة التي فقدناها في زحام التحديث.