بقلم زكية لعروسي, باريس
في مشهد يحمل تناقضات صارخة، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام كاميرات العالم بعد ساعتين فقط من محاولة إطلاق نار استهدفت حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن. كان ما زال يرتدى زي سهرته، ليؤكد للجميع أنه بخير، وأن الحياة مستمرة، وأن “المريض” أو “المعتل” الذي حاول اقتحام الحفل المسلح لم ينجح في تعكير مزاج حملته الانتخابية أو خططه الحربية. لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه على الباحث والمحلل، بعيدا عن السردية الإعلامية السريعة، هو: لماذا يصّر ترامب ووسائل الإعلام الأميركية على ترويج مفهوم “الذئب المنفرد” (Lone Wolf) في كل محاولة اغتيال أو إطلاق نار؟ ولماذا نادرا ما يتم التحقيق في الاحتمالات الأخرى، كالارتباط بتنظيمات معادية أو حتى خلايا نائمة داخل الأجهزة الأمنية؟

منذ عقود، واجهت الولايات المتحدة الأميركية العديد من محاولات الاغتيال والهجمات المسلحة. في كل مرة، يبدو “الذئب المنفرد” هو التصنيف المفضل لدى السلطات. ليس لأنه الأكثر دقة دوما، بل لأنه الأكثر أمانا للنظام السياسي. إذ يوفر هذا التصنيف ميزتين أساسيتين:
– أولا: يعزل الحادثة عن أي سياق سياسي أو تنظيمي أوسع، ما يحمي الأجهزة الأمنية من اتهامات التقصير أو حتى التواطؤ.
– ثانيا: يمكّن الرئيس من توجيه الخطاب كما يشاء، بعيداً عن أي شائعات حول انقسامات داخل النخبة الحاكمة، أو وجود معارضة مسلحة منظمة داخل البلاد.
في حادثة 25 أبريل 2026، لم يتردد ترامب في وصف المعتدي بأنه “مجنون” و”قاتل محتمل” و”ذئب منفرد”. لم تظهر أي تقارير عن هويته، دوافعه الحقيقية، أو ما إذا كان قد تلقى دعما أو توجيها من أي جهة كانت. السؤال المشروع هنا: كيف يمكن التأكيد على فرضية “الانفراد” قبل التحقيق الأولي؟ هل هي دقة استخبارية، أم سردية مطلوبة للعبة السياسة؟
الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في تصريحات ترامب هو محاولته الفصل بين الحادثة والحرب على إيران. فقد قال، في تناقض واضح، إنه “لا يعتقد” وجود علاقة، لكنه عندما سئل مباشرة أجاب بعبارة “لا يمكننا الجزم أبدا”. الحرب التي شنها ترامب وإسرائيل في 28 فبراير 2026 على إيران، لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة. إنها حرب شاملة، تجاوزت الحدود التقليدية لتشمل عمليات اغتيال سياسي وعلمي، حرب سيبرانية، وحتى استهداف لشخصيات سياسية داخل أمريكا نفسها لمناصرة طهران. في هذه البيئة المشحونة، يصبح من المستحيل تجاهل احتمال أن يكون المسلح الذي حاول اقتحام حفل البيت الأبيض متأثرا بالدعاية الإيرانية أو المناهضة للحرب، أو حتى جزءا من شبكة محلية من المتعاطفين مع “محور المقاومة”.

لماذا يصر ترامب على تجاهل هذا الاحتمال؟ ربما لأنه لا يريد أن يُنظر إلى حربه على أنها مثيرة للانقسام الداخلي إلى هذا الحد. أو ربما لأنه يعلم أن البحث الجاد عن صلات إيرانية قد يكشف ثغرات أمنية فادحة لا يريد الإعلان عنها قبل الانتخابات. “لن يثنيني عن الفوز بالحرب”: رسالة مزدوجة تصريح ترامب بأن الرصاص “لن يثنيه عن الفوز بالحرب في إيران” هو خطاب سياسي كلاسيكي: الزعيم الذي لا يخاف الموت، والذي يريد إظهار القوة في وجه الضعف. لكنه يحمل أيضاً رسالة مزدوجة: للداخل الأميركي: “أنا لا أزال مسيطرا. حتى إن حاول أحدكم قتلي، لن أتوقف عن تنفيذ أجندته.” لإيران وحلفائها: “محاولاتهم لن تجدي نفعاً. أنا مصمم على تدمير برنامجكم، ولو كلفني حياتي.” الحقيقة أن استعراض الصمود بعد محاولة اغتيال ليست فقط رسالة قوة، بل اعتراف ضمني بوجود خطر حقيقي يحدق بالرئيس. إذا كان ترامب مضطرا لأن يقول إنه “لن يثنيه” شيء، فهذا يعني أن هناك من حاول بالفعل ثنيه، وأنه يشعر بالخطر.
ما حدث في واشنطن ليلة 25 أبريل ليس مجرد حادثة أمنية… إنه اختبار لنموذج الحكم الأميركي وقدرته على التعامل مع العنف السياسي المنزلي والعالمي في وقت واحد. لكن بدلا من فتح تحقيق شفاف ومستقل، يبدو أن النظام اختار الطريق الأسهل: “ذئب منفرد مجنون” لا علاقة له بالسياسة أو بالحرب أو بالأزمات. السؤال الذي يبقى معلقا، كرصاصة لم تصب هدفها بعد، هو: هل هذه السردية تحمي أميركا أم تكشف هشاشتها؟ وإلى متى يمكن قول “لن نعرف أبدا” لتبرير عدم المعرفة، عندما تكون حياة رئيس ومسار حرب عالميين على المحك؟ في عالم حيث الحقيقة أول ضحايا الحرب، تبقى كلمة “ذئب منفرد” مجرد بوصلة تشير إلى كل الاتجاهات، وبالتالي لا تشير إلى أي اتجاه حقيقي.
📲 Partager sur WhatsApp
هذا الذي اشرف على تصفية رأس حزب الله و رأس ايران واختطاف رأس ڤنزويلا، ها هو يتعرض لمحاولتين حقيقيتين للتصفية، ومع ذلك ساءر إلى حرق الشرق الاوسط وتغيير موازن القوى بانهيار النظام الاقتصادي العالمي. ” لا يثنيني عن الفوز بالحرب” قول يفيد أنه سوف لا يقف عند العتبة. سيتبع طريق الكلب الذي أصابه الصغار.