بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس
لا يُختزل التوتر في مضيق هرمز في مجرد خلاف بين الولايات المتحدة وإيران، بل يعكس تصادما بين عقيدتين استراتيجيتين متعارضتين في فهم الأمن والسيادة وحرية الملاحة. وفي هذا الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، يصبح أي احتكاك عسكري أو سياسي قادراً على تحويل أزمة إقليمية إلى اضطراب عالمي. من منظور طهران، لا يُعد مضيق هرمز ممرا بحريا عاديا، بل يمثل جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي الإيراني. فالتواجد العسكري المكثف للقوات الأجنبية على مقربة من السواحل الإيرانية، والعقوبات الاقتصادية، وسياسات الاحتواء، كلّها تدفع صناع القرار في إيران إلى اعتبار المضيق ورقة ردع استراتيجية. ومن هنا، يحرص الحرس الثوري الإيراني على إظهار امتلاكه القدرة العسكرية التي تمكنه- نظريا من تعطيل الملاحة أو تهديدها إذا ما تعرضت إيران لضغوط وجودية.
أمّا الولايات المتحدة، فتنطلق من عقيدة مختلفة تماماً. فحرية الملاحة البحرية تُعد ركنا أساسيا في النّظام الدولي الذي تسعى واشنطن إلى حمايته. ومن هذا المنطلق، تعتبر البحرية الأمريكية أن ضمان انسياب التجارة عبر الممرات البحرية الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ليس خيارا سياسيا، بل التزاما استراتيجيا يمس الأمن الاقتصادي العالمي ومصداقية الولايات المتحدة تجاه حلفائها. تكمن خطورة المشهد في أن الطرفين يتحركان وفق منطق يراه كل منهما مشروعا. فإيران ترى أنّ أمنها القومي يمنحها حق استخدام المضيق كورقة ردع في مواجهة الضغوط الخارجية، بينما ترى الولايات المتحدة أن أي محاولة لعرقلة الملاحة تمثل تحديا مباشرا للقانون الدولي وللنظام البحري العالمي.
وبذلك، يتحول مضيق هرمز إلى نقطة التقاء بين مفهومين متناقضين: السيادة الأمنية في الرؤية الإيرانية، وحرية الملاحة في الرؤية الأمريكية. وهذه المفارقة تجعل أي حادث محدود – سواء كان اعتراض سفينة، أو احتكاكا بين الزوارق العسكرية، أو خطأ في التقدير – قابلا للتطور بسرعة إلى أزمة واسعة، لأن كلا الطرفين سيقرأ الحدث من خلال عقيدته الاستراتيجية الخاصة. لقد لخّصت إيران موقفها عمليا برسالة مفادها: “إذا منعنا من تصدير نفطنا، فلن يكون تصدير النفط آمنا للجميع.” وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة برسالة مضادة مفادها أن مضيق هرمز ممر مائي دولي لا يجوز لأي دولة احتكاره أو استخدامه أداة للابتزاز السياسي. إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توازن القوى العسكرية، بل في غياب أرضية مشتركة لفهم المصالح الأمنية للطرف الآخر. فحين تتقاطع عقيدتان متعارضتان في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يصبح سوء الفهم بحد ذاته عاملا استراتيجيا قد يشعل مواجهة لا يرغب فيها أحد، لكنها تظل احتمالا قائما في ظل استمرار هذا التناقض البنيوي.
📲 Partager sur WhatsApp