ضمن سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)
بقلم الكاتب والصحافي عبد الله شوكا- المغرب
كان الفنّان الرّاحل العربي باطما لا يكتفي بالاستماع إلى كيرا، بل كان يتذوقه كما يتذوق أهل الطرب موّالا نادرا. فإذا حضر كيرا، انكمش الهمّ في زاوية البيت، وخرج الضحك يركض حافي القدمين بين الجالسين. ولهذا لم يكن غريبا أن يتحول بيت العربي باطما بحي كوتيي، في قلب الدار البيضاء، إلى محطة لا يمر بها الفنانون إلا ويتوقفون ليرشفوا فنجانا من الشاي… وآخر من النكتة. وذات يوم، شاءت المصادفة أن تجمع تحت سقف واحد ثلاثة من كبار صناع الضحك: العربي باطما، والثنائي بزيز وباز، وأسطورة القفشة الخاطفة كيرا

كان بزيز وباز، شأنهما شأن كثير من الفنانين، يعرفان أنّ مجالسة كيرا مغامرة غير مضمونة العواقب؛ فقد تدخل عليه ضاحكا، وتخرج وأنت تمسك بطنك من فرط القهقهة، أو تبحث عن أنفاسك بين النكات. وبين موجة ضحك وأخرى، اعتدل كيرا في جلسته، ومسح شاربه في وقار مصطنع، ثم قال للثنائي: “واش ما فكرتوش تزيدوني معاكم؟”
ساد صمت قصير… صمت من يعرف أن وراءه زلزالا. نظر بزيز إلى باز، ونظر باز إلى بزيز، ثم قالا في لطف: “والله يا كيرا، يشرفنا… ولكن الناس عرفونا سنوات طويلة باسم بزيز وباز. وإذا صرنا ثلاثة، فكيف سنغير الاسم؟” كان العربي باطما يبتسم في خبث العارف بكيرا، كمن ينتظر سقوط برق لا محالة. أما كيرا، فلم يمنح السؤال حتى فرصة ليبرد. ابتسم ابتسامته التي كانت تسبق الكارثة الكوميدية، وقال بكل براءة: “عادي… سموه: بزيز… وباز… وبزز.”

ويحكى أن الضحك يومها لم يخرج من البيت إلا بعد أن استأذن، وأن الجدران نفسها احتاجت إلى وقت طويل حتى تستعيد وقارها. هكذا كان كيرا… لا يبحث عن النكتة. كانت النكتة هي التي تبحث عنه.
📲 Partager sur WhatsApp