من سرق من “كَانْ” رجفة القلب القديمة؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الماضي، كان مهرجان “كَانْ” يشبه نزول الآلهة إلى الأرض. لم يكن مجرد سجاد أحمر، بل صلاة كونية. الناس لا يشاهدون النجوم… بل يحدّقون في الخلود وهو ينزل درجات القصر البحري تحت وابل الفلاشات. كانت السينما يومها آخر دين جماعي للبشرية الحديثة. حين تصل بريجيت باردو، ترتبك الريفييرا الفرنسية كلها. وحين يطل ألان ديلون، تشعر النساء أن الوقت نفسه توقف لثوان احتراما لوسامته. وكان فيديريكو فيلليني يمشي في “كان” كأنه ساحر سيرك هارب من حلم إيطالي مجنون، بينما تاركوفسكي يبدو كقديس روسي ضل طريقه إلى الضوء. أما اليوم…فالنجوم يقفون في طوابير مثل ركاب درجة أعمال متأخرة الرحلة. والصحافة تركض خلف الفضائح أكثر مما تركض خلف الأفلام. والكثير من الوجوه على السجاد الأحمر تبدو كأنها خرجت من تطبيقات التسويق لا من التاريخ السينمائي. هناك شيء انكسر. شيء عميق جدا.

بعد فضائح إبستاين، لم تفقد السينما براءتها فقط…بل فقدت قدرتها على الكذب الجميل. هذا هو الفرق. في الماضي، كان الجمهور يعرف أن هوليوود عالم متوحش، لكنه كان يقبل اللعبة. كان يريد أن يؤمن بأن النجوم أكبر من الحياة. ثم جاء إبستاين مثل جرذ ضخم خرج من جدار القصر الذهبي. فجأة، اكتشف العالم أن وراء: الفساتين، الابتسامات، الجوائز، والخطب الإنسانية…كانت توجد شبكة قذرة من النفوذ والصمت والخوف والافتراس. منذ تلك اللحظة، لم يعد الناس ينظرون إلى المهرجانات بالطريقة نفسها. لقد دخل الشك إلى الكاميرا.

حين تقرأ اليوم تغطيات مهرجان “كان”، تشعر أحيانا أنك لا تقرأ عن السينما، بل عن طبقة أرستقراطية ثقافية تحاول إقناع نفسها بأنها ما تزال مركز العالم. نفس الوجوه. نفس الأسماء. نفس الطقوس. نفس الضحكات المدروسة. ونفس الحوارات التي تشبه النبيذ الفاخر: باهظة… لكنها أحيانا فارغة من الروح. حتى السخرية أصبحت جزءا من البروتوكول. الصحافي نفسه الذي يصفق للفيلم صباحا، يكتب عنه بسخرية مساء على “إكس”. والممثل الذي يتحدث عن العدالة الاجتماعية يصل أحيانا في سيارة تكفي ميزانيتها لإطعام حي كامل في إفريقيا. يا لها من كوميديا عظيمة. كأن العالم صار يشاهد حفلة تنكرية تعرف هي نفسها أنها حفلة تنكرية. فمن سرق من السينما حضورها؟ ليس شخصا واحدا. بل عدة قتلة تعاونوا في الجريمة.

أولا: المنصات الرقمية

“نتفليكس” ورفاقها لم يقتلوا السينما مباشرة… لكنهم قتلوا الانتظار. في الماضي، كان الفيلم حدثا. الناس يلبسون أفضل ما عندهم للذهاب إلى القاعة. العتمة كانت جزءا من السحر. أما اليوم، فالإنسان يشاهد فيلما عظيما بينما يأكل “بيتزا باردة” ويتوقف كل عشر دقائق ليرد على إشعار في هاتفه. لقد انتقل الفن من المعبد… إلى غرفة النوم.

ثانيا: فضائح السلطة

من “هارفي واينستين” إلى إبستاين، صار الجمهور يرى خلف الستارة. اكتشف أن كثيرا من “الملوك” لم يكونوا فنّانين فقط، بل سماسرة نفوذ ورغبات وهيمنة. والأسطورة حين تعرّى تماما… تفقد جزءا من سحرها.

ثالثا: موت الغموض

في الماضي، كان النجوم بعيدين. صورة واحدة لبريجيت باردو كانت تكفي لإشعال خيال قارة كاملة. أما اليوم، فالممثل يشارك إفطاره وتمارينه الرياضية وكل تفاصيل حياته على إنستغرام. اختفى الغموض. ومع اختفاء الغموض… مات جزء من النجومية. فالإنسان لا يعشق ما يعرفه تماما.

الخطأ أن نظن أن السينما انتهت. هي لم تمت. لكنها لم تعد “ملكة الفنون الجماهيرية” كما كانت. في القرن العشرين، كانت السينما تصنع: الأحلام، الأزياء، اللغة، الرغبات، وحتى السياسة أحيانا. أما اليوم، فقد توزعت السلطة: السوشيال ميديا تصنع الشهرة، الألعاب تصنع الخيال، المنصات تصنع العادات، والخوارزميات تصنع الذوق. السينما لم تعد الإمبراطورة…بل صارت واحدة من عدة ممالك تتقاسم انتباه الإنسان المنهك. ومع ذلك… ما يزال في “كان” شيء يشبه المعجزة، شيء لا يموت. شيء يشبه مقاومة شاعر عجوز للخراب. حين تطفأ الأضواء، ويبدأ الفيلم، ويعم الصمت داخل القاعة… تعود المعجزة القديمة للحظة قصيرة. الناس ما يزالون يريدون الحلم. ما يزالون يحتاجون قصصا تفسر لهم هذا العالم المكسور. ولهذا تستمر السينما رغم كل فضائحها. الفن العظيم دائمًا أكبر من الذين يسيئون إليه.

ربما لم تفقد السينما سحرها بالكامل. ربما نحن الذين تغيّرنا. صرنا أسرع، أكثر شكا، أقل قدرة على الانبهار، وأكثر تعبا من الحلم نفسه. في الماضي، كان الإنسان يدخل قاعة السينما ليهرب من العالم. أما اليوم، فالعالم كله دخل معه إلى القاعة: الهاتف، الأخبار، الفضائح، الحروب، والقلق الرقمي. ولذلك يبدو “كان” أحيانا كقصر ضخم يحاول تذكير البشرية بشيء نسيته: أن الفن كان يوما صلاة جماعية ضد قسوة الواقع. لكن خارج القصر…كانت الخوارزميات قد بدأت بالفعل في كتابة السيناريو الجديد للعالم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *