كوبا: رقعة شطرنج في عقل ترامب

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة شيء روائي بشكل مخيف في الطريقة التي يتحدث بها دونالد ترامب عن كوبا. لا يبدو كرئيس دولة يناقش ملفّا دبلوماسيا، بل كأنه شخصية خرجت من رواية كتبت لحظة غضب من الرأسمالية والجنون البشري معا. رجل يقف أمام العالم، يصف كوبا بأنها “دولة مفلسة”، ثم يلوّح في الجملة نفسها تقريبا بإمكانية “تحريرها” أو “أخذها”، قبل أن يختم المشهد بجملة تكاد تبدو كأنها سطر من مسرح عبثي: “في هذه الأثناء… أنا ذاهب إلى الصين.” يا لهذه الجملة. كأن العالم كله صار طاولة بّوكر عملاقة، يجلس حولها رجل واحد يحمل: العقوبات بيد, والتهديدات باليد الأخرى، والهاتف الذي يكتب منه على “Truth Social” كأنه مسدس رقمي.

لفهم ما يحدث، يجب أولا فهم كوبا نفسها. كوبا ليست مجرد جزيرة فقيرة في الكاريبي. إنها شبح سياسي يعيش داخل الوعي الأمريكي منذ أكثر من ستين عاما. منذ فيديل كاسترو، وكوبا تمثل للأمريكيين شيئا يتجاوز الجغرافيا:

– عقدة الحرب الباردة

– الإهانة الرمزية قرب فلوريدا

– والجزيرة الصغيرة التي قالت “لا” للإمبراطورية على مرمى حجر من شواطئها.

ولهذا ظلت واشنطن تتعامل مع هافانا أحيانا بعقلية رجل لم ينس خصومة قديمة في حانة قبل نصف قرن. العجيب أن الاتحاد السوفيايتي سقط، وجدار برلين انهار، والعالم تغيّر…لكن كوبا بقيت هناك، مثل سيجارة أخيرة مشتعلة في رماد القرن العشرين. المشكلة أن ترامب لا ينظر إلى العالم بعين الدبلوماسي التقليدي. إنه ينظر إليه بعين المقاول العقاري. في عالمه:

– الدول المتعبة = فرص

– العقوبات = أدوات تفاوض

– والضغط الاقتصادي = مقدمة للبيع أو الخضوع.

ولذلك حين يصف كوبا بأنها “مفلسة”، فهو لا يستخدم لغة إيديولوجية فقط، بل لغة رجل أعمال يشم رائحة الضعف. ترامب يفكر كما يفكر لاعب كازينو كبير: إذا كانت الجزيرة تختنق اقتصاديا، فربما حان وقت إعادة تشكيلها. لكن السؤال الأخطر: إعادة تشكيلها كيف؟ لا أحد يتحدث رسميا عن غزو عسكري مباشر. لكن السياسة الحديثة لم تعد تحتاج دائما إلى الدبابات. يكفي: خنق اقتصادي، حصار نفطي، ضغط إعلامي، إنهاك اجتماعي، ثم مفاوضات تقدَّم كطوق نجاة. إنها النسخة المعاصرة من الحروب: أن تجعل الخصم يتعب من الوقوف. ومن هنا تبدو تصريحات ترامب غريبة ومقصودة في آن واحد: تهديد، ثم دعوة للحوار، ثم تلميح للقوة، ثم كلام عن “المساعدة”. كأن الرجل يمارس نوعا من السيكولوجيا الجيوسياسية: يضغط على الجزيرة نفسيا قبل أن يضغط عليها سياسيا. فلماذا الآن؟

لأن العالم يعيش لحظة فوضى كبرى. الشرق الأوسط يحترق. الصين تصعد. روسيا تستنزف الغرب. وأمريكا نفسها تعيش قلقا داخليا عميقا. في مثل هذه اللحظات، تعود الإمبراطوريات إلى غرائزها القديمة: تأمين المجال الحيوي القريب. وكوبا، بالنسبة للعقل الاستراتيجي الأمريكي، ليست مجرد جزيرة. إنها باب البحر الكاريبي. الظل القريب من فلوريدا. والرمز الذي لا تزال واشنطن تريد إغلاق ملفه نهائيا.لكن كوبا ليست سهلة كما تبدو… هنا تكمن المفارقة. كوبا فقيرة نعم. منهكة نعم. لكنها تملك شيئا خطيرا جدا: الذاكرة الثورية. الشعوب التي عاشت الحصار طويلا تتعلم نوعا خاصا من الصبر العنيد. الكوبيون عاشوا:

– العقوبات

– النقص

– الانهيار السوفياتي

– الأزمات الغذائية

– والهجرة الجماعية…

ومع ذلك لم تسقط الدولة كما توقّع كثيرون. كأن الجزيرة الصغيرة تعلمت كيف تعيش على الحد الأدنى من الأوكسجين السياسي. ولهذا تبدو كوبا أحيانا مثل بطل رواية روسية فقير ومريض… لكنه يرفض أن يركع. الأكثر إثارة للرعب أن العالم بدأ يعود تدريجيا إلى مفردات كنا نظن أنها ماتت:

– الحصار

– مناطق النفوذ

– استعراض القوة

– الحرب الباردة

– والتهديدات البحرية.

حتى عبارة ترامب عن إمكانية رسوّ حاملة طائرات أمريكية قرب كوبا تحمل رائحة قديمة جدا… رائحة الستينيات وأزمة الصواريخ والخوف النووي. كأن التاريخ، مثل سكّير عجوز، عاد يطرق الباب من جديد. فهل يريد ترامب الحرب؟ ربما لا. ترامب يفهم جيدا أن الحروب المباشرة مكلفة شعبيا واقتصاديا. لكنه يحب شيئا آخر: الضغط الدرامي. يحب أن يجعل العالم يشعر أنه قادر على كل شيء. وهذه هي قوة ترامب الحقيقية: ليس فقط ما يفعله، بل ما يجعل الآخرين يتخيلون أنه قد يفعله. إنه يحكم بالخوف الاحتمالي.

ربما ليست القضية كوبا وحدها. ربما نحن أمام شيء أعمق: عودة العالم إلى مرحلة الإمبراطوريات القلقة. حين تشعر القوى الكبرى بالتعب أو الخوف، تبدأ بالنظر إلى الجغرافيا بعين أكثر خشونة. وفجأة، تصبح الجزر الصغيرة ملفات استراتيجية. والدول الفقيرة ساحات رسائل. والحصار لغة تفاوض. أما الإنسان العادي – الكوبي البسيط الذي يبحث فقط عن الخبز والكهرباء والدواء- فيبقى دائما آخر من يسأل عن مصيره. وهكذا تستمر اللعبة الكبرى: الرؤساء يتحدثون عن التاريخ، والإمبراطوريات تتحدث عن الأمن، والشعوب تتحدث فقط عن النجاة. وفي مكان ما داخل هافانا، ربما ما يزال رجل عجوز يدخن سيجارته بصمت، ينظر إلى البحر، ويتمتم بسخرية كوبية مريرة: “الإمبراطوريات تتغير…لكن السفن الأمريكية تعرف دائما طريقها إلى هنا.”

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “كوبا: رقعة شطرنج في عقل ترامب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *