زكية لعروسي, باريس
لم تكن تلمسان في القرن الثامن عشر مجرد مدينةٍ تتبع هذا السلطان أو ذاك، ولا نقطة حدودية هامشية على أطراف الإمبراطوريات؛ بل كانت قلبا نابضا في الجسد المغاربي، ومرآةً تعكس الصراع الخفي بين قوتين عظيمتين: المغرب الأقصى والدولة العثمانية. هناك، عند تخوم الغرب الجزائري، لم تكن المعركة تدور بالسيوف وحدها، بل بالرموز والشرعية والذاكرة والانتماء.
وفي كتاب «العلاقات العثمانية المغربية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر»، تكشف الباحثة مروة كاراجاي توركال عن طبقاتٍ عميقة من هذا الصراع، عبر تقارير السفراء العثمانيين ومراسلات الباب العالي، حيث يظهر المغرب ليس كدولة معزولة خلف حدودها، بل كقوة روحية وسياسية ظل نفوذها ممتدا داخل تلمسان والغرب الجزائري رغم الوجود العثماني. ومن يقرأ تلك الوثائق يدرك سريعا أن تلمسان لم تكن مدينة عثمانية الروح، حتى وإن ارتفعت فوق قلاعها الراية العثمانية.
لقد فهم العثمانيون مبكرا أن المغرب لا ينظر إلى تلمسان باعتبارها أرضا أجنبية، بل باعتبارها امتدادا طبيعيا لمجاله الحضاري والتاريخي. فالعلاقة بين فاس وتلمسان لم تصنعها الحملات العسكرية وحدها، بل نسجتها قرون من المصاهرة والعلم والتجارة والزوايا الصوفية والطرق الروحية التي جعلت المدينتين تتنفسان من رئةٍ واحدة. كانت القوافل الخارجة من فاس نحو تلمسان تتحرك وكأنها تعبر داخل وطن واحد، وكانت العائلات والقبائل والزوايا تتوزع بين الجانبين دون أن تعترف بتلك الحدود التي حاولت الإمبراطوريات رسمها فوق الرمل.
ولهذا لم تستطع الدولة العثمانية – رغم قوتها العسكرية – أن تحوّل تلمسان إلى مدينة عثمانية خالصة. فالمدافع تستطيع إخضاع الأسوار، لكنها تعجز عن إخضاع الذاكرة. وتشير المعطيات التي تعرضها مروة كاراجاي توركال إلى أن الباب العالي كان يتعامل بحذر بالغ مع الغرب الجزائري، لأن النفوذ المغربي هناك لم يكن نفوذا عسكريا مباشرا فقط، بل كان نفوذا اجتماعيا وروحيا عميقا. وقد أدرك العثمانيون أن السلطان المغربي لم يكن مجرد ملك خلف الحدود، بل رمزا دينيا وسياسيا حاضرا في وجدان قطاعات واسعة من سكان المنطقة. ولهذا كانت تلمسان تُعامل دائما كمنطقة حساسة، لا كمدينة عادية داخل الجزائر العثمانية.

لقد كانت المدينة تعيش حالة فريدة: وجه رسمي يخضع للإدارة العثمانية، ووجه خفي ينبض بالمغرب. وكان ذلك هو السر الذي أقلق إسطنبول. فحتى عندما ثبت العثمانيون حامياتهم العسكرية، ظل المغرب حاضرا في الأسواق واللهجات والزوايا والأنساب والحنين الجماعي. وكانت تلمسان، رغم الراية العثمانية، تميل ثقافيا وروحيا نحو الغرب أكثر مما تميل نحو الشرق. وهنا يكمن جوهر القضية الذي تحاول بعض القراءات الحديثة تجاهله أو دفنه تحت خرائط السياسة المعاصرة:
تلمسان لم تكن مجرد ولاية عابرة داخل المجال العثماني، بل كانت عقدة تاريخية ظل المغرب يعتبرها جزءا من امتداده الطبيعي، وظلت الدولة العثمانية تدرك أن السيطرة عليها لا تعني امتلاك روحها بالكامل.
لقد حكم العثمانيون تلمسان بالإدارة والسلاح، لكن المغرب ظل حاضرا فيها بالرمز والشرعية والوجدان. وكان الصراع بين الطرفين أشبه بصراع بحرين: بحر عثماني جاء من الشرق محملا بفكرة الإمبراطورية، وبحر مغربي صاعد من الغرب يحمل إرث المرينيين والسعديين والعلويين وذاكرة المغرب الكبير الموحد.ولم يكن هذا الصراع دائما معلنا. بل كان يتحرك أحيانا في صمت أخطر من الحرب: في ولاء القبائل، وفي نفوذ الزوايا، وفي صورة السلطان المغربي داخل المخيال الشعبي، وفي خوف العثمانيين الدائم من تمدد التأثير المغربي غرب الجزائر. ومن خلال ما تنقله الوثائق الدبلوماسية التي تناولها الكتاب، يبدو واضحا أن الباب العالي كان ينظر إلى المغرب باعتباره قوة لا يمكن احتواؤها بسهولة. ولهذا فضّل العثمانيون غالبا سياسة التوازن الحذر بدل الصدام المباشر، لأن أي اضطراب في تلمسان كان قادرا على إشعال غرب الجزائر كله.

لقد كانت تلمسان بالنسبة للمغرب أكثر من مدينة. كانت ذاكرة تمشي على الأرض. ولهذا ظل اسمها يتردد في الحسابات السياسية للسلاطين المغاربة جيلا بعد جيل، باعتبارها بوابة المجال المغربي في الشرق، وحصنا رمزيا لا يجوز أن ينقطع تمامًا عن القلب المغربي. ومن هنا نفهم لماذا بقيت تلمسان عصية على الذوبان الكامل داخل النموذج العثماني. فقد كانت تحمل في عمقها روحا مغربية متجذرة، تشكلت منذ العهد الزياني والمريني، وتعززت عبر القرون حتى أصبحت جزءا من الهوية التاريخية للمدينة نفسها. كانت تلمسان أشبه بأميرة أندلسية أُلبست حرير إسطنبول، لكنها كانت تخفي تحت ثيابها القديمة رائحة فاس.
وحين نقرأ اليوم تاريخ تلمسان بعيدًا عن ضجيج الشعارات الحديثة، ندرك أننا لا نقرأ سيرة مدينة فقط، بل نقرأ مأساةَ هويةٍ تقاسمتها الإمبراطوريات، دون أن تنجح أي واحدة منها في امتلاكها بالكامل. لقد مرت فوق أسوار تلمسان الرايات، وتبدلت الجيوش، وتغيرت الخرائط، لكن شيئا واحدا ظل ثابتا كالنقش على الحجر: أن هذه المدينة لم تكن يوما بلا ذاكرة. كانت تعرف من أين جاء نبضها. ولهذا بقيت، حتى تحت الراية العثمانية، تنظر غربا… نحو المغرب.
📲 Partager sur WhatsApp
يلزم اعتماد كتابة التاريخ على صوت الذاكرة. و اعتماد الدبلوماسية في اعتماداتها عليهما معا.