عبد الله شوكا – كاتب وصحافي، المغرب
ليست كل الدروس التي نحملها من مقاعد الدراسة معادلات رياضية أو قواعد نحوية، فبعضها يظل عالقا في الذاكرة لأنّه يروي حكايات أغرب من الخيال. وما تزال ذاكرتي تستحضر، منذ سنوات الدراسة الإعدادية في سبعينيات القرن الماضي، رواية أثارت دهشتي يومها، ولم تكف عن إثارة الفضول كلّما عادت إلى الخاطر. كانت الحكاية تقول إن ألمانيا شهدت، في إحدى الفترات، اجتياحا هائلا لجحافل الفئران، حتى غدت هذه القوارض خطرا يهدد المحاصيل والمؤن والصحة العامة، ويحول حياة الناس إلى معركة يومية مع مخلوقات صغيرة لا تعرف التراجع.
وتروي الرواية أن الألمان، أمام هذا الوضع الاستثنائي، لم يطلبوا ذهبا ولا قروضا ولا جيوشا، بل وجّهوا نداء من نوع آخر إلى العالم: أرسلوا إلينا القطط. يا لها من صورة تستحق أن تتوقّف عندها الذاكرة؛ دول تستجيب للنداء، وسفن تمخر عباب البحار وهي تحمل آلاف القطط، لا جنودا ولا مدافع، في مهمة لا تقل أهمية عن أي حملة عسكرية، عنوانها إعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة، والقضاء على جيش من الفئران استباح الأرض. سواء صحت هذه الرواية التاريخية أم ظلت من القصص التي تناقلتها الأجيال، فإنها تعكس حقيقة لا يختلف حولها اثنان: أن البشرية كثيرا ما وجدت نفسها في مواجهة كائنات صغيرة استطاعت أن تربك دولا بأكملها، وأنّ الحلول الاستثنائية كثيرا ما ولدت من رحم الأزمات غير المألوفة.
إن التاريخ ليس دائما سجلا للحروب الكبرى والمعاهدات السياسية، بل هو أيضا دفتر مليء بالوقائع الطريفة، والمواقف الإنسانية، والحكايات التي تكشف قدرة الإنسان على البحث عن حلول تبدو، لأول وهلة، أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع. ولعل أجمل ما في مثل هذه الروايات أنها تدفعنا إلى التأمل في هشاشة الحضارات أمام أصغر المخلوقات. فالفأر الذي لا يكاد يلفت الانتباه، قد يتحول إلى خصم يستنفر دولة بأكملها، والقط الذي اعتدنا رؤيته مستلقيا في هدوء، قد يصبح بطلا في معركة لا تطلق فيها رصاصة واحدة.
هكذا يبقى التاريخ، أو ما يروى عنه، مليئا بالمفارقات التي تمنح الذاكرة نكهتها الخاصة. فمن بين آلاف الصفحات التي قرأناها في الكتب المدرسية، لا تبقى دائما أسماء الملوك أو تواريخ المعارك، بل تبقى تلك الحكايات التي تجعلنا نبتسم كلّما استعدناها، لأنّها تذكرنا بأنّ العالم كان، وما يزال، قادرا على إدهاشنا بأحداث تتجاوز حدود الخيال. ولعل هذا هو سر الأدب والتاريخ معا؛ فالأوّل يمنح الوقائع روحها، والثاني يمنحها زمنها، وبينهما تولد حكايات لا تشيخ، حتى وإن ظل بعضها معلقا بين الحقيقة والأسطورة.
📲 Partager sur WhatsApp