الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة «أسطورة النكتة في الحي المحمدي» – المرحوم كيرا
بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
كان المرحوم كيرا واحدا من أولئك الذين لا يمرّون في الحياة مرورا عابرا؛ كانوا يصنعون من التفاصيل اليومية حكايات، ومن المواقف العابرة مسرحا، ومن المصادفات مادة جاهزة للضحك. كان، بكل ما تحمله العبارة من معنى، أسطورة النكتة في الحي المحمدي، وفيلسوفا شعبيا للسخرية، يأتيك بالطرفة من حيث لا تحتسب، ويضعك أمام موقف لا تملك معه إلا أن تضحك. لم يكن كيرا يحتاج إلى منصة، ولا إلى أضواء، ولا إلى نص مكتوب سلفا. كان الشارع مسرحه، والمقهى خشبته، ودروب الحي المحمدي فضاءه المفتوح، فيما كانت الحياة نفسها تمدّه كل يوم بمواد جديدة لعرض كوميدي لا ينتهي. يكفي أن يقع شيء غير متوقع حتى يتحول، على لسانه، إلى نكتة تحفظها الذاكرة وتتناقلها الأجيال. ولعل المؤسف أن الإعلام المغربي لم يمنح هذا الرجل ما كان يستحقه من اهتمام، خصوصا التلفزيون، الذي كان يستطيع أن يكتشف فيه موهبة كوميدية نادرة، وأن يرى في شخصه مسرحا متنقلا قائما بذاته. وبينما كانت أموال كثيرة تُصرف على أعمال كوميدية موسمية لم يكن بعضها يرتقي دائما إلى مستوى انتظارات الجمهور، كان كيرا يقدم، بلا أجر ولا كاميرات ولا ديكورات، عروضه اليومية في الشارع، ويمنح عشاقه جرعات مجانية من الضحك الصادق.
ومن بين طرائفه التي ما تزال تتداول في الحي المحمدي، حكاية أصبحت أشبه بـ«الواقعة الكوميدية» التي تختصر فلسفته كلها. كان كيرا، في إحدى جولاته داخل دروب الحي، يمتطي دراجته الهوائية، غير مكترث بما يمكن أن تخبئه له الطريق من مفاجآت. وبينما كان يواصل جولته، باغتته عربة لأحد باعة الفواكه. وقع الاصطدام في لحظة، وانقلبت الدراجة، وسقط كيرا أرضا، فإذا به يجد نفسه ممدّدا وسط التفاح والإجّاص واللّيمون، كأن القدر قرر أن يمنحه، بدل الإسفلت، فراشا من الفواكه. تجمع المارة حول المشهد، بعضهم بدافع الفضول، وبعضهم بدافع الاطمئنان على الرجل الذي سقط للتو. كانت العربة قد تكبدت خسائرها، فيما كانت الفواكه تتدحرج في كل اتجاه، وتحيط بجسد كيرا الممدد على الأرض. اقترب أحد المارة منه، وسأله بقلق:
– واش ما فيك باس؟ ما كتشكاش من شي ألم
كان السؤال طبيعيا، بل إنسانيا، في موقف من هذا النوع. لكن المشكلة أن السائل نسي أن الرجل الذي أمامه هو كيرا. رفع كيرا رأسه، ونظر إلى الرجل بنظرة ذلك الذي وجد، حتى في قلب الحادثة، فرصة جديدة لإطلاق نكتة. ثم قال ببرودة أعصاب لا تليق بحادثة سير:
– وتا سير فحالك! واش ما عمرك شفتي شي واحد داير كسيدة مع الفيتامينات؟
هنا انتهت حادثة السير، وبدأت الحكاية. انفجر الموقف بالضحك، وتحولت لحظات القلق إلى مشهد كوميدي مفتوح. لم تعد الفواكه مجرد خسائر بالنسبة إلى صاحب العربة؛ لقد أصبحت، بفضل كيرا، «فيتامينات» أحاطت بمصاب في حادثة سير استثنائية. أما كيرا، فلم يكن يبدو عليه أنه ضحية حادث، بل ممثل خرج لتوه من مشهد كوميدي ناجح، وسط جمهور لم يدفع ثمن التذكرة. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الواقعة في ذاكرة أبناء الحي المحمدي مجرد اصطدام بين دراجة وعربة فواكه؛ صارت «حادثة سير مع الفيتامينات»، وهي التسمية التي اختزل بها كيرا الموقف كلّه في جملة واحدة، وأثبت مرة أخرى أن العبقرية الكوميدية لا تحتاج إلى ظروف مثالية كي تتألق؛ بل قد تولد أحيانًا من سقوط على الأرض.
ذلك هو كيرا. رجل كان يملك قدرة نادرة على انتزاع الضحكة من قلب الموقف، مهما كان مربكا أو مؤلما أو غير متوقع. كان يرى في الحياة مادة للسخرية، وفي المفاجآت فرصا للنكتة، وفي التفاصيل الصغيرة كنوزا لا يراها الآخرون. ولذلك بقيت طرائفه حية في ذاكرة الحي المحمدي؛ لأنها لم تكن نكاتا مصطنعة، بل كانت جزءا من يوميات الناس، تنبت من الشارع، وتعيش بين الناس، ثم تتحول إلى ذاكرة جماعية.
أما أنا، كلما عدت إلى حكايات كيرا لأكتب واحدة منها، أكتشف أنني لست مجرد كاتب لسيرته الطريفة، بل واحد من ضحايا عبقريته أيضا. أقرأ الحكاية، فأبتسم؛ أعيد صياغتها، فأضحك؛ وأكاد أرسلها إلى الأخت زكية لعروسي، رئيسة تحرير جريدة الورقاء، وأنا ما زلت أضحك. وهكذا يواصل كيرا، حتى بعد رحيله، مهمته القديمة: أن يجعلنا نضحك. رحم الله كيرا، صاحب «حادثة السير مع الفيتامينات»، وأسطورة النكتة التي لم تكن تحتاج إلى خشبة مسرح، لأن الحي المحمدي كلّه كان مسرحه، والناس جميعا كانوا جمهوره.
📲 Partager sur WhatsApp