115 شارع… والباب الذي لم يفتح بعد

بقلم زكية لعروسي, باريس (تأملات في الشّتات الثقافي المغربي بباريس)

ليس من باب الجحود أن نثني ثم نسأل، ولا من باب النكران أن نصفّق ثم نستفهم. فالمغرب، في السنوات الأخيرة، صار اسما لامعا في المشهد الثقافي الفرنسي؛ معارض، أمسيات، لقاءات فكرية، حفلات موسيقية، ومواسم تحتفي بالذاكرة المغربية وهي تعبر البحر إلى الضفة الأخرى من المتوسط. يحق لنا أن نفتخر بهذا الإشعاع، وأن نهنئ بلادنا التي جعلت من الثقافة جسرا ناعما يرمّم ما تعجز عنه الخطب والبيانات. لكن، وسط هذا الضوء كلّه، يطل سؤال كثيف كغيمة لا تمطر: أين هو المركز الثقافي المغربي في باريس؟ أين هو البيت الذي تتجمع فيه هذه الخيوط المتناثرة لتصير نسيجا واحدا؟ وأين يذهب المثقف المغربي حين تنطفئ أضواء القاعات المؤقتة وتنتهي الدعوات الرسمية وتطوى ملصقات الفعاليات؟

إن الثقافة ليست حفلا. الثقافة ليست منصة تنصب مساء وتُفكّك صباحا. الثقافة ليست حدثا يُلتقط في صورة ثم يُدفن في أرشيف الشبكات الاجتماعية. الثقافة مكان أيضا. جغرافيا. عنوان. باب يُطرق. كرسي يُنتظر عليه صديق. مكتبة تُشمّ فيها رائحة الورق. قاعة يُختلف فيها قبل أن يُتّفق. الثقافة، قبل كل شيء، بيت. وهنا تكمن المفارقة. ففي مدينة تُوصف بأنها عاصمة النور، وفي بلد يحتضن واحدة من أكبر الجاليات المغربية في العالم، لا يزال السؤال عن المركز الثقافي المغربي يطوف كالشبح بين المقاهي والندوات واللّقاءات الخاصة. شبح له عنوان. 115 شارع…عنوان يتردد في الأحاديث كأنّه وعد مؤجل، أو رواية ناقصة الصفحة الأخيرة. الكل سمع عنه. الكل انتظره. الكل سأل: متى يُفتح؟ لكن الباب ما زال معلقا بين المستقبل والانتظار.

لسنا هنا لنحاسب أحدا، بل لنفهم. فقد تحدثنا قبل عام مع وزير الثقافة، وسألناه عن هذا المركز الذي ينتظره المغاربة في باريس كما ينتظر العطّاش نافذة ماء في صيف طويل. وكان الجواب واضحا: إن ملف الجالية لا يدخل ضمن الاختصاص القانوني المباشر للوزارة، وإن السؤال يتجاوز حدود مسؤوليتها. جواب إداري مفهوم. لكن الأسئلة الثقافية لا تعترف كثيرا بالحدود الإدارية. لأن المثقف المغربي في باريس لا يسأل الوزارة الفلانية أو المؤسسة العلانية. إنه يسأل الوطن. والوطن، في وجدان أبنائه، ليس مجموعة اختصاصات متجاورة. الوطن كيان واحد. صوت واحد. وحلم واحد.

المشكلة ليست في كثرة الأنشطة. بل ربما في طريقة وصولها إلى الناس. كم من مغربي في باريس يعلم ما يُنظم باسم المغرب هذا الأسبوع؟ كم من شاعر شاب؟ كم من رسام مغمور؟ كم من طالب جاء حديثا إلى فرنسا حاملا دفترا وقلقا وحلما؟ كم من موسيقي يعزف وحيدا في غرفته؟ كم من باحث يكتب دون أن يجد منبرا يلتقي فيه بغيره؟ وهل تصل هذه الأنشطة إليهم فعلا؟ أم أنها تدور داخل مدارات مغلقة، تعرف بعضها بعضا، وتلتقي ببعضها بعضا، وتصفق لبعضها بعضا، ثم تعود إلى بيوتها مقتنعة بأنها خاطبت الجميع؟ إن أخطر أنواع العزلة ليست عزلة الصمت. بل عزلة الضجيج الذي لا يصل.

لكن ثمة سؤالا آخر لا يقل أهمية عن سؤال المبنى نفسه: هل نملك اليوم ما يمكن أن نسميه ديمقراطية الثقافة؟ فالثقافة ليست امتيازا يُمنح لفئة بعينها، وليست دائرة مغلقة تدور حول الأسماء نفسها والوجوه نفسها والجمهور نفسه. الثقافة ليست ملكية خاصة لأحد، ولا شهادة احتكار يوزعها أحد على أحد. إنها حق جماعي، مثل الهواء، ومثل الضوء، ومثل اللغة التي نتقاسمها جميعا. إن إشعاع المغرب الثقافي لا ينبغي أن يبقى رهين قاعات موسمية أو شبكات محدودة من العلاقات، مهما كانت قيمة أصحابها ومهما كانت نواياهم نبيلة. فالإشعاع الحقيقي يبدأ حين يصبح كل مغربي قادرا على الوصول إلى الثقافة، لا حين تبقى الثقافة قادرة فقط على الوصول إلى دائرة ضيقة من الناس.

المغاربة في باريس، وفي ضواحيها، وفي المدن الفرنسية الأخرى، لا يحتاجون إلى مناسبة بين حين وآخر بقدر ما يحتاجون إلى أن يعيشوا العرس الثقافي المغربي يوميا. يحتاجون إلى بيت مفتوح، إلى دار مغربية كبيرة تحت سقف مركز ثقافي حيّ، تنبض فيه الذاكرة كما ينبض الحاضر، ويشعر فيه القادم من الدار البيضاء أو طنجة أو الحسيمة أو ورزازات أو العيون أنه لم يغادر تماما جغرافيا الروح المغربية. نريد مركزا ثقافيا حقيقيا، له حضور مادي وحضور رقمي في آن واحد. مركزا له موقع إلكتروني حديث ومنصات تواصل فعالة، يستطيع من خلالها أي مغربي، بضغطة واحدة، أن يعرف ماذا يجري اليوم وغدا وبعد غد. أن يطّلع على المعارض والندوات والعروض الموسيقية والورشات والدروس واللقاءات الفكرية. أن يشعر بأن الثقافة المغربية ليست خبرا يُتداول بين القلّة،إنّما فضاء مفتوحا أمام الجميع.

ونريد أيضا أن تكون الجالية شريكا في إدارة هذا الفضاء، لا مجرد متلقية لأنشطته. فمَن أدرى باهتمامات أبناء الجالية من أبناء الجالية أنفسهم؟ ومن أقدر على فهم عطشهم الثقافي من الذين يعيشون يوميا أسئلة الهوية والانتماء واللغة والذاكرة؟ نريد أن تلتقي تحت سقف واحد حروف العربية وأناقة الدارجة المغربية، وأن تتجاور الموسيقى الأندلسية مع الإبداع المعاصر، وأن تتحاور القصيدة مع اللوحة، وأن يجلس الحكواتي إلى جانب الباحث، وأن يجد الطفل المولود في فرنسا نافذة يطل منها على جذوره دون خطابات ولا شعارات. نريد فضاء تتعانق فيه الجذور مع الفروع، فلا تلتهم الفروع جذورها، ولا تبقى الجذور حبيسة المتاحف والحنين. فضاء يجعل الثقافة المغربية ممارسة يومية لا ذكرى موسمية، وحياة مشتركة لا مناسبات متفرقة.

أما أن يبقى الإبداع المغربي موزّعا بين هنا وهناك، وأن تظل الأنشطة الثقافية تتنقل في خرائط لا يعرفها إلا القليل، فذلك لا يصنع إشعاعا مستداما، بل يصنع شكلا آخر من أشكال الشتات؛ شتاتا ثقافيا هادئا، لا يُرى بسهولة، لكنه يترك أثره العميق في الأرواح. ثمة شتات جغرافي، نعم. لكن هناك أيضا شتات ثقافي. شتات أكثر خفاء. أكثر ألما. أكثر قدرة على التسلل إلى الأرواح. مغاربة هنا وهناك. شعراء هنا وهناك. فنانون هنا وهناك. مبدعون هنا وهناك. لكن أين “هنا” الكبرى التي تجمع كل هؤلاء؟ أين السقف المشترك؟ أين المكان الذي يلتقي فيه العازف بالشاعر، والروائي بالتشكيلي، والطالب بالمفكر، والطفل المغربي المولود في فرنسا بذاكرة أجداده؟

إن المركز الثقافي ليس بناية من إسمنت. إنه جهاز تنفس رمزي. إنه رئة للجالية. إنه عنوان للانتماء. إنه إعلان دائم بأن الثقافة المغربية ليست زائرة في باريس، بل مقيمة فيها، تتحاور معها، وتؤثر فيها، وتتجدد داخلها.نحتاج إلى مكان نجلس فيه دون دعوة خاصة. نختلف فيه دون بروتوكول. نقرأ فيه دون موعد رسمي. نغني فيه دون مناسبة استثنائية. نحتاج إلى فضاء يتيح للمغاربة أن يكونوا جمهورا وصنّاعا للثقافة في آن واحد. لا متفرجين على مشهد يمر من أمامهم ثم يختفي. فما جدوى عشرات الفعاليات إن بقيت بلا ذاكرة مؤسساتية تجمعها؟ وما جدوى الإشعاع إذا لم يجد مرآة تعكسه داخل الجالية نفسها؟ وما جدوى أن يضيء المغرب في باريس إذا ظلّ كثير من أبنائه يبحثون عن مفتاح الباب الذي يقود إلى ذلك الضوء؟

إننا لا نكتب هذه الكلمات احتجاجا على الثقافة المغربية. بل دفاعا عنها. ولا نكتبها انتقاصا من الجهود المبذولة. بل لأن تلك الجهود تستحق أن تجد بيتا دائما يحتضنها. نكتبها باسم الذين ينتظرون. باسم الذين يكتبون في المقاهي. باسم الذين يحملون لوحاتهم من معرض إلى معرض. باسم الذين يحفظون القصائد في هواتفهم لأنهم لا يجدون منصة يلقونها عليها. باسم الذين يريدون أن يلتقوا لا أن يتفرقوا. أن يتحاوروا لا أن يتباعدوا. أن يصنعوا مجتمعا ثقافيا لا مجرد مناسبات ثقافية. لذلك فإن سؤالنا اليوم ليس سؤال مبنى. ولا سؤال عنوان. ولا سؤال إدارة. إنه سؤال رؤية. إنه سؤال ديمقراطية ثقافية حقيقية، تجعل الثقافة المغربية حقا مشاعا لكل المغاربة، لا لتتداوله دوائر محدودة مهما اتسعت. متى يصبح للمغاربة في باريس بيت ثقافي مفتوح، حي، نابض، دائم؟ متى يصبح للمثقف المغربي عنوان ثابت لا يضطر معه إلى البحث كل مرة عن قاعة جديدة أو مناسبة؟ متى تتحول الثقافة المغربية في المهجر من أحداث متفرقة إلى مؤسسة جامعة، ومن لقاءات موسمية إلى حياة يومية؟ ومتى يخرج الرقم 115 من منطقة الأسطورة إلى منطقة الواقع؟ ومتى يتحول الشبح الذي يلوح في الأفق إلى باب يُفتح، ومكتبة تُضاء، وقاعة تمتلئ بالناس؟ ذلك هو السؤال. أما الجواب، فما زال ينتظر خلف باب لم يُفتح بعد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “115 شارع… والباب الذي لم يفتح بعد

  1. سؤال في محله. فالإشعاع الثقافي الحقيقي لا يكتمل بكثرة الأنشطة وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسة دائمة وفضاء حي يجمع الذاكرة والإبداع والحوار. نأمل أن يرى هذا المشروع النور قريبا ليكون في مستوى الحضور المغربي المتألق بفرنسا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *