بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في السياسة، هناك لقاءات تصنعها الضرورة، ولقاءات تصنعها المصالح، ولقاءات أخرى يبدو فيها الزعيمان كأنهما يريدان أن يتأكدا من أن الأسطورة التي بناها كل واحد منهما عن الآخر ما زالت حية. حين يقول دونالد ترامب إنه يريد لقاء كيم جونغ أون قبل نهاية السنة، للمرة الرابعة، لا ينبغي أن نقرأ الخبر باعتباره مجرد موعد دبلوماسي محتمل. فبعض القمم لا تكون اجتماعات. بعضها مرايا. وما يراه ترامب في كيم ليس فقط زعيما لدولة مغلقة، ولا مجرد حاكم نووي محاصر بالعقوبات. يرى، على الأرجح، رجلا يفهم شيئا يحبه ترامب كثيرا: قيمة أن تجعل الآخرين يتحدثون عنك حتى عندما لا تتكلم.
كيم لا يحتاج إلى السفر كثيرا كي يحضر في السياسة الدولية. صاروخ يكفي. صورة في قصر. عرض عسكري. تصريح مقتضب. ثم ينتظر العالم. كأن بيونغ يانغ صنعت لنفسها جهاز تحكم عن بعد، وكلما ضغطت زرا، ارتفعت حرارة واشنطن. السؤال الحقيقي ليس: لماذا يريد ترامب رؤية كيم؟ بل: لماذا يرى ترامب أن كيم يستحق أن يراه؟ في الدبلوماسية التقليدية، الزعيم الأمريكي يلتقي عادة حلفاءه، وخصومه عندما تفرض الضرورة ذلك، ورؤساء الدول الكبرى عندما تكون المصالح الاستراتيجية على الطاولة. أما كيم، فهو يأتي من مكان مختلف تماما. رجل يقود دولة مغلقة، تمتلك ترسانة نووية، وتعيش في مواجهة مستمرة مع الولايات المتحدة وحلفائها في شرق آسيا.
وهنا تكمن المفارقة. كلما حاول العالم عزل كوريا الشمالية، ارتفعت قيمة كيم في دفتر المواعيد الأمريكي. كأن العزلة التي كان يفترض أن تصغر الرجل جعلته أكبر. وهذا أحد أسرار القوة النووية: ليست قيمتها فقط في قدرتها على التدمير، بل في قدرتها على إجبار الآخرين على الجلوس إلى الطاولة. كيم لا يظهر كثيرا. لكن غيابه ليس فراغا. إنه نوع من الحضور. حين لا يتحدث، يبدأ الآخرون في التخمين. حين لا يرد، يبدأ المحللون في تفسير الصمت. حين يطلق صاروخا، تتغير نشرات الأخبار. وحين يقول ترامب إنه يريد لقاءه، يصبح الغائب هو محور المشهد. هذه براعة سياسية من نوع غريب. ففي عالم يعتقد أن كثرة الظهور تمنح القوة، أثبتت كوريا الشمالية أن الاختفاء أحيانا قد يكون استراتيجية. الجدار نفسه يصبح شاشة. والصمت يتحول إلى رسالة. والغموض يصبح عملة.
هناك شيء مشترك بين الرجلين، رغم الاختلاف الهائل بين النظامين السياسيين. كلاهما يفهم السياسة بوصفها مسرحا. ترامب يعرف قيمة الصورة. كيم يعرف قيمة الصورة. ترامب يحب اللقاء الذي ينتج مشهدا تاريخيا. وكيم يدرك أن الوقوف إلى جانب الرئيس الأمريكي يرفع صورته من رئيس دولة معزولة إلى لاعب عالمي يجلس في مستوى القادة الكبار. في هذا النوع من الدبلوماسية، لا تكون الصورة خلفية للحدث. الصورة جزء من الحدث نفسه. والمصافحة ليست مجرد مصافحة. إنها وثيقة سياسية. والجلوس إلى الطاولة ليس مجرد جلوس. إنه اعتراف ضمني بأن الطرف الآخر يستحق المقعد. ولهذا كانت قمم ترامب وكيم السابقة ذات قيمة هائلة لبيونغ يانغ حتى عندما لم تنتج اتفاقا نهائيا. لقد حدث شيء أكبر من الاتفاق: تم كسر المحرم النفسي. الرئيس الأمريكي جلس مع كيم. والكاميرات شاهدت. والعالم شاهد. والرجل الذي كان يوصف بأنه معزول صار، ولو للحظات، جزءا من المشهد الدولي في الصف الأول.
كوريا الشمالية ليست قوة اقتصادية تنافس الولايات المتحدة. ولا تملك نفوذ واشنطن العالمي. لكنها تمتلك ما يكفي من القدرة النووية والصاروخية لجعل الولايات المتحدة تنظر إليها باستمرار. كيم لا يحتاج إلى أن يكون في حجم أمريكا. يحتاج فقط إلى أن يكون مزعجا بما يكفي كي لا تستطيع أمريكا تجاهله. وهذه إحدى أكثر قواعد السياسة الدولية قسوة: ليس دائما الأكبر هو من يفرض جدول الأعمال. أحيانا يفعل ذلك الطرف الذي يستطيع رفع كلفة تجاهله. إعلان ترامب يأتي في لحظة دقيقة. واشنطن طلبت تقليص مدة مناورات “أولتشي فريدوم شيلد” مع كوريا الجنوبية، بعد أن وصف ترامب استمرارها بأنه يرسل إشارة “عدائية” وغير مناسبة إلى بيونغ يانغ. وفي الوقت نفسه، لا توجد، بحسب التصريحات المنقولة، قناة اتصال مباشرة معلنة بين ترامب وكيم، فيما قللت كيم يو جونغ من أهمية الخطوة الأمريكية. وهذا مهم. لأن الدبلوماسية الحقيقية لا تبدأ عندما تعلن الرغبة في اللقاء. تبدأ عندما يعرف الطرفان ماذا يريدان من اللقاء. ترامب يريد، على الأرجح، شيئا يمكن أن يسميه نجاحا. وكيم يريد شيئا يمكن أن يسميه ضمانا. وبين الكلمتين توجد شبه جزيرة كاملة من الألغام. ترامب رجل يحب الصفقات الكبيرة. لكن كوريا الشمالية لا تريد صفقة صغيرة.

إذا جلس كيم إلى الطاولة، فلن يكون الهدف مجرد التقاط صورة جديدة. ستكون على الطاولة ملفات شديدة التعقيد: البرنامج النووي. الصواريخ الباليستية. العقوبات. المناورات العسكرية. الضمانات الأمنية. العلاقة مع كوريا الجنوبية. وجود القوات الأمريكية في المنطقة. والعلاقات المتزايدة بين بيونغ يانغ وموسكو. كل بند من هذه البنود يمكن أن يكون كتابا مستقلا. والرجلان يريدان اختصار الكتاب في صورة. وهنا تبدأ الصعوبة. هناك خطأ متكرر في قراءة كوريا الشمالية: التعامل معها باعتبارها مشكلة تنتظر حلا أمريكيا. لكن بيونغ يانغ ترى نفسها دولة لها مصالح، وجيش، وسلاح نووي، وعلاقات دولية. ومن هذه الزاوية، فإن لقاء ترامب بكيم يمنح كوريا الشمالية شيئا بالغ القيمة: الندية الرمزية. فكل مرة يجلس فيها الرئيس الأمريكي مع كيم، يصبح اللقاء نفسه اعترافا بأن الرجل الذي يقود الدولة الأكثر عزلة يستطيع إجبار القوة الأعظم على تخصيص وقت له. وهذه ليست مسألة بروتوكول. إنها مسألة قوة.
في السياسة الدولية، الصورة أحيانا جزء من الردع. لكن هناك فيلا آخر في الغرفة: الصين. وهذه المرة لا يمكن تجاهلها. فبينما يفتح ترامب بابا لكيم، تتحرك بكين أيضا في المشهد. وزير الخارجية الصيني وانغ يي متجه إلى سيول للقاء الرئيس الكوري الجنوبي لي، في وقت تتعزز فيه صلات بيونغ يانغ بموسكو. وهنا تصبح شبه الجزيرة الكورية مثل رقعة شطرنج لا يجلس حولها لاعبان فقط. هناك واشنطن. وبيونغ يانغ. وسول. وبكين. وموسكو. وكل قطعة تتحرك وهي تراقب القطع الأخرى. ترامب قد يريد لقاء كيم. لكن الصين تسأل سؤالا مختلفا: من سيعيد ترتيب ميزان القوى في شرق آسيا؟ كيم لا يملك القنبلة فقط، بل يملك الموقع. الموقع الجغرافي لكوريا الشمالية أكثر أهمية مما يبدو. هي تقع عند تقاطع حساس بين الصين وروسيا وكوريا الجنوبية واليابان، وفي قلب منطقة تمثل واحدة من أهم مراكز الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن الملف الكوري ليس مجرد ملف نووي. إنه ملف جغرافي. والجغرافيا لا يمكن فرض عقوبات عليها. لا يمكن نقل كوريا الشمالية إلى مكان آخر. ولا يمكن لواشنطن أن تتعامل معها وكأنها جزيرة معزولة عن بقية القارة. كل ضغط على بيونغ يانغ له صدى في بكين وموسكو وسيول وطوكيو. وهذا ما يجعل اللعبة شديدة التعقيد. تحدث ترامب عن امتلاك كوريا الشمالية 57 سلاحا نوويا، مع تأكيد واشنطن رسميا أنها لا تعترف ببيونغ يانغ كقوة نووية معترف بها. لكن الرقم، في النهاية، ليس جوهر القصة. جوهر القصة أن كوريا الشمالية تملك قدرة نووية كافية لجعل أي حرب شاملة معها كارثة محتملة. وهذا يكفي. في الردع النووي، لا تحتاج إلى ألف قنبلة كي تجعل خصمك يفكر عشر مرات. يكفي أن يعرف أن الحرب لن تكون نظيفة. إنها لعبة الرعب المتبادل. الجميع يملك القدرة على تخيل النهاية. ولا أحد يريد أن يكون أول من يكتبها. هل تقليص المناورات تنازل؟
ربما. وربما ليس كذلك. في الدبلوماسية، الإشارة العسكرية قد تكون رسالة سياسية. تقليص التدريبات يمكن أن يفتح نافذة. لكنه قد يثير أيضا قلق سيول. ولهذا فإن القرار ليس مجرد تفصيل عسكري. إن كوريا الجنوبية هي التي ستعيش في الجغرافيا التي تنظر إليها واشنطن من بعيد. وهي التي ستكون أول من يدفع الثمن إذا انهارت الردعيات. لذلك فإن أي صفقة بين واشنطن وبيونغ يانغ لا يمكن أن تكون صفقة ثنائية حقيقية إذا شعر الحليف الجنوبي أنه اكتشفها من الصحافة. وهذه واحدة من المفارقات التي قد تجعل الدبلوماسية الترامبية صعبة: ترامب يريد اختصار الطريق، لكن الطريق يمر عبر دول كثيرة. هل يريد ترامب السلام أم الصورة؟
السؤال قاس، لكنه مشروع. هل ترامب يريد اتفاقا حقيقيا مع كوريا الشمالية؟ أم يريد لحظة تاريخية جديدة؟ والإجابة قد تكون: الاثنين معا. فالسياسي الذي يحب التاريخ يحب أيضا أن يترك فيه صورته. ترامب لا يخفي رغبته في صناعة لحظات استثنائية. لقاء كيم للمرة الرابعة يمكن أن يمنحه صورة أخرى من الصور التي لا ينساها التاريخ بسهولة. لكن الصورة وحدها لا تفكك برنامجا نوويا. والمصافحة لا تدمر صاروخا. والابتسامة أمام الكاميرا لا تبني نظام ثقة. هذه أمور تحتاج إلى مفاوضات طويلة، وفرق تقنية، وضمانات، وآليات تحقق، وتسويات مؤلمة. وهذه كلها أشياء أقل بريقا من القمة. وهنا يظهر الفرق بين رجل الأسطورة ورجل الدولة. رجل الأسطورة يريد المشهد. رجل الدولة يريد ما يأتي بعد المشهد. القمة يمكن أن تنجح في خمس دقائق. لكن الاتفاق يحتاج سنوات. يمكن للزعيمين أن يتصافحا. لكن من سيكتب التفاصيل؟ من سيتحقق؟ من يضمن؟ من يدفع؟ من يرفع العقوبات؟ من يراقب المنشآت؟ من يحدد معنى “نزع السلاح النووي”؟ من يضمن أن الاتفاق لن يموت مع أول أزمة؟
هذه الأسئلة هي المكان الذي تتحول فيه السياسة من مسرح إلى هندسة. وهنا تحديدا ستظهر قدرة ترامب الحقيقية. لماذا كيم مهم إلى هذا الحد؟ لأن كيم فهم شيئا مبكرا: في النظام الدولي، لا يكفي أن تكون قويا. يجب أن تجعل الآخرين يشعرون أن تجاهلك مكلف. ولهذا طورت بيونغ يانغ، على مدى سنوات، سياسة تقوم على الجمع بين التهديد والتفاوض. تضغط. ثم تفتح نافذة. تغلقها. ثم تفتحها. ترفع مستوى التوتر. ثم تعرض الحوار. كأنها تلعب على أعصاب الخصم مثل عازف يعرف أن الصمت جزء من الموسيقى. وهنا يجب أن تنتهي الاستعارة. كوريا الشمالية ليست ذبابة. وأمريكا ليست فيلا. والسياسة ليست حكاية حيوانات. الواقع أكثر خطورة. وراء كل حركة عسكرية ملايين البشر. وراء كل صاروخ احتمال حرب. وراء كل سوء تقدير مدينة قد تستيقظ على شيء لا يمكن التراجع عنه. لهذا فإن اللقاء المرتقب، إذا حدث، لا ينبغي أن يقاس بعدد الصور التي ستنتشر منه. بل بعدد الألغام التي سيزيلها من الطريق. ترامب يريد أن يلتقي كيم للمرة الرابعة. لكن السؤال الأهم هو: هل سيأتي هذه المرة إلى الطاولة ومعه شيء يستطيع كيم أن يبيعه لشعبه، وشيء تستطيع سيول أن تثق به، وشيء تستطيع واشنطن أن تسميه انتصارا، وشيء تستطيع بكين وموسكو أن تتعايشا معه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون القمة بداية جديدة. أما إذا كانت الغاية صورة أخرى، فستصبح القمة حلقة جديدة في مسلسل طويل من المصافحات التي تنتهي حين تنطفئ الكاميرات. ترامب يحب اللحظة. كيم يحب البقاء. والفرق بين الإثنين عميق جدا. الرجل الأول يريد أن يصنع التاريخ. والرجل الثاني يريد أن يظل موجودا في التاريخ. وربما لهذا يلتقيان. ففي عالم السياسة، قد يكون أكثر شيء يجمع رجلين متناقضين هو أن كليهما يعرف قيمة الصورة. لكن الصورة لا توقف الصواريخ. ولا تغير الجغرافيا. ولا تحل معضلة السلاح النووي. ولا تصنع السلام وحدها. ويبقى السؤال معلقا فوق شبه الجزيرة الكورية مثل طائر لا يريد أن يهبط: هل يريد ترامب لقاء كيم لأن كيم تغير، أم لأن ترامب يعرف أن الرجل الذي لا يستطيع العالم تجاهله يستحق، في حساب القوة، أن يجلس معه؟ ربما يكون الجواب في مكان ما بين الطموح الشخصي والحساب الاستراتيجي. وفي السياسة، كما في الأدب، أكثر القصص إثارة ليست تلك التي نعرف نهايتها. بل تلك التي يجلس فيها خصمان إلى طاولة واحدة، وكل واحد منهما يتساءل في صمت: من منا جاء ليصنع الصفقة، ومن منا جاء ليصنع التاريخ؟
📲 Partager sur WhatsApp