بقلم زكية لعروسي, باريس
في قاعة المرايا بقصر فرساي، حيث تتقاطع ظلال الملوك مع أطياف الجمهوريات، وحيث كانت أوروبا عبر قرون تنحت مصائر القارات تحت وهج الثريات المذهبة، لم يكن المشهد الذي جمع الرئيس الأميركي ترامب بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجرد فصل بروتوكولي من فصول الدبلوماسية الرفيعة، بل بدا وكأنه لوحة تاريخية هائلة تتحرك فوقها خرائط العالم بأكملها. وبينما كانت جدران فرساي تستعيد ذاكرة المعاهدات الكبرى التي أعادت رسم أوروبا في الأزمنة الغابرة، كان توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يتسلل إلى المشهد كحدث يتجاوز حدود الخبر السياسي ليقترب من مرتبة التحول الحضاري.
إن إيران ليست مجرد دولة في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة. إنها كتلة تاريخية كثيفة، طبقات متراكبة من الإمبراطوريات واللغات والأساطير والطرق التجارية والعقائد والذاكرات الجماعية. من سهول فارس إلى جبال زاغروس، ومن أصداء الأخمينيين إلى ظلال الصفويين، ظلت هذه الأرض تمارس نوعا فريدا من الحضور التاريخي الذي يجعلها أكبر من حدودها الجغرافية. ولذلك فإن أي اتفاق يتعلق بطهران لا يمكن قراءته بمنظار العلاقات الثنائية فحسب، بل باعتباره اهتزازا في منظومة التوازنات الممتدة من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي.

ما يجعل هذه اللحظة استثنائية ليس فقط التوقيع ذاته، بل السياق الذي جاء فيه. فالشرق الأوسط يقف منذ سنوات فوق فوهة بركان جيوسياسي مفتوح. الحروب تتداخل مع الحروب، والتحالفات تتغير بسرعة الرمال الصحراوية تحت رياح عاتية، والفاعلون غير الدولتيين أصبحوا يمتلكون من التأثير ما يجعلهم شركاء فعليين في صناعة المصير الإقليمي. وفي قلب هذا المشهد، ظلت المواجهة الأميركية الإيرانية تشكل المحور الخفي الذي تدور حوله أزمات المنطقة بأشكال مختلفة. إن ما رشح من تفاصيل الاتفاق يشير إلى فتح نافذة تفاوضية تمتد لشهرين، هدفها بناء إطار أشمل لإنهاء دوائر التصعيد وإعادة هندسة الترتيبات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط. كما أن إدراج الملف اللبناني ضمن أفق النقاش يكشف عن إدراك متقدم لدى الأطراف بأن الأزمات الإقليمية لم تعد قابلة للفصل الميكانيكي، بل أصبحت شبكة مترابطة من التأثيرات المتبادلة. فلبنان اليوم ليس مجرد ساحة محلية، بل مختبر مكثف لصراعات النفوذ والتوازنات الإقليمية.
من جهة واشنطن، تبدو الحسابات أبعد من الملف الإيراني المباشر. فالإدارة الأميركية تدرك أن القرن الجديد يعيد توزيع مراكز القوة العالمية. التحدي الصيني يتعاظم، والمنافسة التكنولوجية تتسارع، والموارد الاستراتيجية لم تعد تسمح بانخراط غير محدود في أزمات الشرق الأوسط. ومن هنا يصبح تخفيف التوتر مع إيران جزءا من عملية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات الإمبراطورية الأميركية. أما بالنسبة لطهران، فإن الاتفاق يمثل محاولة للانتقال من مرحلة إدارة الحصار إلى مرحلة إدارة النفوذ. فإيران التي استطاعت عبر عقود بناء شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء الإقليميين، تسعى اليوم إلى تحويل هذا الرصيد الجيوسياسي إلى مكاسب أكثر استقرارا واستدامة. إنها لحظة تحاول فيها الدولة الفارسية القديمة أن توفق بين منطق الثورة ومنطق الدولة، بين سردية المقاومة ومتطلبات التنمية.

لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فالتوتر المستمر بين إسرائيل وحزب الله يذكر الجميع بأن الدبلوماسية لا تتحرك دائما بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الوقائع الميدانية. فبينما تتبادل العواصم الكبرى إشارات الانفراج، لا تزال الجبهات المسلحة تحتفظ بمنطقها الخاص وقدرتها على مفاجأة الجميع. ومع ذلك، فإن الأهمية الحقيقية لهذه اللحظة تكمن في بعدها الرمزي العميق. فحين يجلس خصمان حملا لعقود لغة العقوبات والتهديدات والمواجهات غير المباشرة إلى طاولة تفاوض واحدة، فإن ذلك لا يعني نهاية الصراع بقدر ما يعني بداية انتقاله من فضاء القوة الخشنة إلى فضاء المساومات الاستراتيجية. إنها لحظة يعترف فيها الطرفان، ولو ضمنيا، بأن كلفة الفوضى أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
وهكذا، بينما كانت مرايا فرساي تعكس أضواء القاعات الملكية، كانت تعكس أيضا صورة عالم يبحث عن توازن جديد. عالم لم تعد تحكمه القطبية المطلقة ولا الفوضى المطلقة، بل منطقة رمادية تتصارع فيها القوى الكبرى على هندسة النظام الدولي المقبل. وفي قلب هذه المنطقة الرمادية تقف إيران، لا كملف دبلوماسي عابر، بل كأحد المفاتيح الكبرى لفهم شكل الشرق الأوسط الذي يولد الآن من بين رماد الحروب وأصداء الإمبراطوريات.
📲 Partager sur WhatsApp