باردللا ورغبته في خفض مساهمة باريس إلى النصف

بقلم زكية لعروسي, باريس

لمّا تندثر الحدود الفاصلة بين الاقتصاد والسيادة، وبين المحاسبة العمومية وهندسة القارات، لا يعد النقاش حول مساهمة فرنسا في ميزانية الاتحاد الأوروبي مجرد جدل تقني يدور داخل أروقة البيروقراطية في بروكسل، بل تحول إلى سؤال وجودي يمس جوهر المشروع الأوروبي نفسه. وحين أعلن جاردان باردللا رغبته في خفض مساهمة باريس إلى النصف إذا وصل إلى قصر الإليزيه، لم يكن يفتح ملفا ماليا فحسب، بل كان يطرق أبواب معركة كبرى حول معنى أوروبا وحدود التضامن ومفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين.

في الظاهر تبدو الأرقام جامدة، باردة، خالية من الشعر. أكثر من أربعة وعشرين مليار يورو دفعتها فرنسا للميزانية الأوروبية خلال عام 2024، ونحو ثلاثين مليارا متوقعة في 2026. غير أن هذه الأرقام ليست مجرد خانات في جداول المحاسبين. إنها شرايين مالية هائلة تتدفق عبر القارة مثل أنهار خفية تحت الأرض، تحمل معها النفوذ والاستقرار والمصالح الاستراتيجية وأحلام التكامل الأوروبي. لقد نشأ الاتحاد الأوروبي بعد حروب أحرقت القارة وحولتها إلى أطلال. ومنذ البداية لم يكن المشروع مجرد سوق مشتركة أو اتحاد جمركي. كان محاولة جريئة لترويض التاريخ نفسه، ولتحويل الجغرافيا التي صنعت الحروب إلى جغرافيا تنتج المصالح المشتركة. ومن هنا أصبحت الميزانية الأوروبية أشبه بصندوق سيادي حضاري ضخم تتشارك فيه الدول الأعضاء تمويل مشروع يتجاوز حدودها الوطنية.

حين تدفع فرنسا مساهمتها، فهي لا ترسل أموالا إلى كيان غامض معلق فوق الغيوم البيروقراطية. إنها تستثمر في منظومة تضمن انسياب السلع ورؤوس الأموال واليد العاملة والمعايير الصناعية والتجارية عبر فضاء اقتصادي يمثل أحد أكبر التكتلات الاقتصادية على سطح الأرض. وما يبدو للبعض نزيفا ماليا هو بالنسبة لكثير من الاقتصاديين ثمن الانتماء إلى واحدة من أكثر مناطق العالم استقرارا وازدهارا. لكن هنا تكمن المفارقة التي تغذي صعود التيارات السيادية في أوروبا. فالدول الكبرى المؤسسة للاتحاد، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا، أصبحت تشعر بأن فاتورة التضامن ترتفع بوتيرة أسرع من عوائدها المباشرة. فكل توسع شرقي للاتحاد كان يعني تدفق المزيد من الأموال نحو مناطق أقل نموا، بينما بدأت المجتمعات الغربية تواجه أزمات معيشية وضغوطا اجتماعية متزايدة. ومن هذا الشعور ولدت السردية السياسية الجديدة التي يتبناها اليمين القومي الأوروبي: لماذا تستمر الدول الغنية في دفع الفاتورة الأكبر بينما تتراجع قدرتها على التحكم في القرارات التي تمس مصيرها الوطني؟

غير أن الاقتصاد لا يخضع دائما لمنطق الشعارات الانتخابية. ففرنسا، رغم كونها من كبار المساهمين، تستفيد بدورها من منظومة أوروبية واسعة. ويكفي التوقف عند السياسة الزراعية المشتركة، تلك الآلة المالية العملاقة التي تشكل أحد أعمدة الاتحاد. فالمزارعون الفرنسيون هم من أكبر المستفيدين من إعاناتها. وفي القرى الممتدة من نورماندي إلى أوكسيتاني، ومن حقول القمح إلى مزارع الكروم، تتدفق مليارات اليوروهات الأوروبية كل عام للحفاظ على القدرة التنافسية للقطاع الزراعي الفرنسي. والأمر لا يتوقف عند الزراعة. فصناديق التنمية الإقليمية، وبرامج البحث العلمي، ومشاريع التحول البيئي، والبنى التحتية، كلها تتغذى بدرجات متفاوتة من الموارد الأوروبية. حتى خطة الإنعاش التي أعقبت جائحة كوفيد جعلت فرنسا، بصورة استثنائية، مستفيدا صافيا من الميزانية الأوروبية خلال بعض السنوات الأخيرة.

وهنا تظهر المعضلة الجيوسياسية العميقة التي تتجاوز الحسابات المحاسبية. فخفض المساهمة الفرنسية إلى النصف لن يكون مجرد قرار مالي، بل إعلان إعادة تفاوض على العقد السياسي الذي يحكم الاتحاد الأوروبي. فميزانيات الاتحاد توضع لسبع سنوات وتخضع لمفاوضات معقدة بين سبع وعشرين دولة. وأي محاولة أحادية لتقليص المساهمة الفرنسية ستفتح بابا واسعا من التوترات مع الشركاء الأوروبيين، وقد تدفع دولا أخرى إلى المطالبة بالمعاملة نفسها. في العمق، لا يتعلق الأمر بمليارات اليوروهات وحدها، بل بمستقبل نموذج أوروبي كامل. هل يظل الاتحاد مشروعا تضامنيا تتقاسم فيه الدول الأعباء والمكاسب؟ أم يتحول تدريجيا إلى فضاء تفاوضي تحكمه الحسابات الوطنية الضيقة؟ ذلك هو السؤال الحقيقي المختبئ خلف الأرقام.

إن أوروبا اليوم تشبه كاتدرائية مالية هائلة شيدتها أجيال متعاقبة من السياسيين والاقتصاديين والدبلوماسيين. وكل حجر فيها يمثل مساهمة دولة، وكل قوس فيها يرمز إلى تسوية تاريخية، وكل نافذة زجاجية ملونة تعكس توازنا دقيقا بين المصالح الوطنية والمصلحة القارية. ولذلك فإن النقاش حول مساهمة فرنسا لا يقتصر على بند في الميزانية، بل يلامس الأساسات نفسها التي يقوم عليها البناء الأوروبي. ومن هنا تأتي أهميته الاستثنائية، لأنه يكشف عن الصراع المتصاعد بين أوروبا التكامل وأوروبا السيادة، بين من يرى القارة جسدا واحدا ومن يراها مجرد اجتماع مؤقت لأمم تبحث كل منها عن خلاصها الخاص.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *