الجزائر و الانتخابات التشريعية

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة دول تعيش داخل الزمن، وثمة دول أخرى تعيش داخل رواية عن الزمن. والجزائر اليوم تبدو وكأنها عالقة بين الحالتين معا؛ دولة تمتلك من الثروات الطبيعية ما يكفي لتكون إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في إفريقيا والمتوسط، لكنها ما تزال تسير في ممرات سياسية تشبه مرايا متقابلة تعكس الصورة نفسها إلى ما لا نهاية. كلّما ظنّ المراقب أنّه اقترب من فهم المشهد، اكتشف أن المشهد لا يصف الواقع بقدر ما يعيد إنتاج سردية رسمية عنه. منذ استقلالها، لم تكن الجزائر مجرد دولة وطنية بالمعنى التقليدي. لقد تأسست بوصفها مشروعا رمزيا ضخما. الشرعية الثورية تحولت إلى رأسمال سياسي، والذاكرة الجماعية أصبحت مؤسسة موازية للدستور، والجيش لم يكن مجرد جهاز سيادي، بل مهندسا خفيا للتوازنات الكبرى. وشيئا فشيئا، نشأت معادلة فريدة: دولة تمتلك مؤسسات حديثة في الشكل، لكنها تستمد جزءا كبيرا من مشروعيتها من وقائع تاريخية تعود إلى منتصف القرن الماضي.

في هذا السياق تأتي الانتخابات التشريعية الحالية. فالنقاش الحقيقي لا يتعلق بعدد المقاعد ولا بعدد المرشحين المقبولين أو المرفوضين، بل بالسؤال الأعمق: هل تحاول الدولة الجزائرية تجديد شرعيتها السياسية أم إعادة تدويرها؟ إن استبعاد آلاف المرشحين، بصرف النظر عن المبررات القانونية المقدمة، يعكس معضلة فلسفية قديمة في علم السياسة. فكل سلطة تسعى إلى حماية النظام العام، لكن كل سلطة أيضا معرضة لإغراء الخلط بين حماية النظام وحماية نفسها. وهنا يبدأ الفرق بين الدولة التي تدير التعددية والدولة التي تدير حدود التعددية. اللافت أن الجزائر تدخل هذه المرحلة في لحظة جيوسياسية شديدة الحساسية. فالعالم الذي عرفته النخب الحاكمة خلال العقود الماضية يتغير بسرعة مذهلة. موازين القوى الدولية تعاد صياغتها. إفريقيا أصبحت ساحة تنافس عالمي. المتوسط لم يعد مجرد فضاء جغرافي بل تحول إلى عقدة استراتيجية تربط الطاقة والهجرة والأمن والتجارة. وفي مثل هذه اللحظات تصبح الشرعية السياسية موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الغاز والنفط.

هنا تحديدا تبرز المقارنة مع المغرب، لا باعتبارها منافسة عاطفية كما يروج لها الخطاب الشعبوي في ضفتي الحدود، بل باعتبارها مختبرا سياسيا مختلفا. فبينما اختار المغرب خلال العقدين الأخيرين توسيع هوامش الانفتاح المؤسساتي التدريجي، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، وبناء تحالفات إفريقية وأطلسية متعددة المستويات، ظلت الجزائر أسيرة رؤية أمنية تعتبر أن السيطرة على المجال السياسي شرط مسبق لأي إصلاح. والنتيجة أن الرباط راحت تستثمر في المستقبل بينما ظلت الجزائر تفاوض الماضي. المغرب جعل من الصحراء منصة لإعادة تموقعه الاستراتيجي داخل إفريقيا وخارجها، بينما تحولت القضية نفسها في الخطاب الجزائري إلى ما يشبه المرآة التي تعكس باستمرار صورة الخصم أكثر مما تعكس صورة الذات.

ثمة مفارقة تستحق التأمل. فالدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل أيضا بما تمتلكه من قدرة على تحويل تلك الموارد إلى نفوذ مستدام. والجزائر تملك احتياطيات طاقية ضخمة، ومساحة جغرافية هائلة، وعمقا بشريا وثقافيا استثنائيا. غير أن الثروة حين لا تجد مؤسسات سياسية مرنة تتحول أحيانا إلى ما يشبه وسادة مريحة تؤجل الإصلاح بدلا من أن تسرعه. ولعل أكثر ما يثير السخرية الفلسفية في المشهد هو أن الأنظمة التي تخشى الفوضى بصورة مفرطة تنتهي أحيانا إلى إنتاج الشروط التي تغذيها. فحين تصبح السياسة شديدة الانضباط، يبحث المجتمع عن منافذ أخرى للتعبير. وحين تضيق قنوات التمثيل، تتسع مساحات اللاّمبالاة. واللاّمبالاة السياسية أخطر على الدول من المعارضة السياسية نفسها، لأنها تجعل المواطنين يتحولون من شركاء في المشروع الوطني إلى مجرد متفرجين عليه.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الجزائر ليس انتخابيا في جوهره. إنه تحد حضاري يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة الحديثة لا تقاس بقدرتها على فرز المرشحين بقدر ما تقاس بقدرتها على إنتاج الثقة. والثقة لا تصنعها القوانين وحدها، بل تصنعها القناعة الجماعية بأن قواعد اللعبة تطبق على الجميع وأن المستقبل مفتوح أمام الجميع. ومهما كانت نتائج الانتخابات المقبلة، فإن السؤال سيظل قائما فوق المشهد الجزائري مثل نجم بعيد لا يختفي: هل تستطيع الجمهورية أن تنتقل من شرعية الذاكرة إلى شرعية الإنجاز؟ وهل يمكن لدولة ولدت من ملحمة تحرر عظيمة أن تكتب ملحمة تحديث لا تقل عنها عظمة؟ إن الأمم الكبرى لا تنهض فقط بقوة جيوشها أو ثرواتها الطبيعية، بل بقدرتها على مصالحة التاريخ مع المستقبل. وتلك، ربما، هي المعركة الحقيقية التي تنتظر الجزائر في السنوات القادمة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الجزائر و الانتخابات التشريعية

  1. تماما. الجزائر رهينة طغمة عسكرية تعيش عقدة اسمها المغرب واستعصى عليها ان تنظر إلى المستقبل بغير هذا المنظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *