حين يعيد المغرب اختراع الجيوسياسة الإفريقية

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مسرح الأمم الكبير، حيث تتقاتل القوى على أشلاء العالم، ينبثق لحن غير مسبوق من ضفاف مضيق جبل طارق. لا يصدر هذا اللحن عن مدافع ولا عن معاهدات مفروضة، بل عن رؤية عتيقة كنفس الصحراء وجديدة كأفق المحيط. فالمغرب، تحت رعاية محمد السادس، لم يعد يكتفي بتلقف تيارات التاريخ، بل صار يقودها، محوّلاً الهشاشة الجغرافية إلى مصير استراتيجي. لقاء هذا الجمعة بالرباط بين إدوارد بيزيمانا وناصر بوريطة ليس مجرد محطة بروتوكولية في الأجندة الدبلوماسية. إنه انعكاس لآلية دقيقة، قطعة رئيسية في بناء نظام جديد حيث تتوقف الصحراء المغربية عن كونها بقعة عمياء لتصبح محور سيادة كاملة. دعم بوروندي الثابت، كما قبله دعم غامبيا، ينسج نسيج إجماع قاري يصعب على الجغرافيات المعادية تمزيقه. لكن المذهل ليس الدعم بحد ذاته، بل سياق هذا الدعم. في زهاء إعادة تشكيل التحالفات، ينسج المغرب شبكته بصبر، ليس كعنكبوت مفترس، بل كبحار يعرف قراءة النجوم. خطة الحكم  الذاتي، المقدمة بوصفها “الحل الوحيد القابل للتصديق والواقعي”، تفرض نفسها لا بقوة السلاح، بل بقوة البداهة الاقتصادية والسياسية. في هذه المقاربة صدى للفلسفة الرواقية: تقبل حقائق العالم لتغييرها.

تكمن اللفتة الجمالية لهذه الدبلوماسية في المبادرة الملكية للساحل. بتقديمها الدّول الحبيسة نافذة على الأطلسي، لا يكتفي المغرب بكسر عزلتها، بل يعيد رسم الخرائط الذهنية للقارة. لم تعد إفريقيا هي مناطق التصدع التي ورثتها المعاهدات الاستعمارية، بل فضاء مائع، متصل عبر خطوط أنابيب الغاز وطرق جديدة، حيث يلتقي حلم الازدهار المشترك بضرورات الاستقرار. عملية دول الأطلسي الإفريقية ليست مشروعا اقتصاديا عاديا: إنها عمل ميتافيزيقي، محاولة لتجسيد فكرة أن التنمية لم تعد وعدا بعيد المنال، بل جسرا ملموسا بين الشعوب. بإشادته بهذه المبادرات، ينخرط بوروندي في منطق “النهوض المشترك”. لا يتعلق الأمر بصدقة شمال-جنوب، بل بشراكة متكافئة حيث تصبح الذكاء الجغرافي للمغرب رافعة الاندماج الإفريقي. اعتماد قرار مجلس الأمن 2797، الذي يكرس الحكم  الذاتي تحت السيادة المغربية، يتوج هذه الاستراتيجية. إنه اعتراف من المجتمع الدولي بأن حل النزاع لن يأتي من معسكر المنتصر، بل من طاولة المفاوضات، حيث المصلحة المشتركة تتجاوز ضغائن الماضي.

تكشف كواليس هذه الدبلوماسية عن فكر عميق، شبه دستويفسكي في استكشافه للدّوافع البشرية. المَلك لا ينظر إليه كحاكم عادي، بل كـ”أمير المؤمنين” المستنير، مرشد تتجاوز رؤيته ساحل البنى التحتية إلى استعادة الكرامة. حيثما يرى الآخرون دولا فاشلة، يرى المغرب “أراضي الفرص”. هذه الجرأة في النظرة وتحويل التحديات إلى مصفوفات للحلول. في زهاء تأرجح العالم بين الانكفاءات الهوياتية والعولمة الساخرة، يتخذ المغرب نفسه حارسا لفن ضائع: فن التوليف. توليف بين إفريقيا وأوروبا، بين المحيط والصحراء، بين التقاليد العريقة وابتكار ميناء الداخلة الأطلسي. “حوارات الأطلسي” في باليرمو ليست مجرد مؤتمر، بل امتداد طبيعي لهذه الرؤية حيث يصبح جنوب الأطلسي مركز الثقل الجديد للتبادلات العالمية.

تأكيد الدعم البوروندي هو إذاً أكثر بكثير من بيان مشترك. إنها النغمة الصحيحة في سيمفونية كتبت مسبقا: سيمفونية مغرب أدرك أن القوة لا ليست بعدد الرصاص، بل بالقدرة على اقتراح مخيال جماعي. وكما قال ألبير كامو: “السخاء الحقيقي تجاه المستقبل هو أن نعطي كل شيء للحاضر”. يعطي المغرب اليوم لإفريقيا قواعد نحوية مشتركة لتتحدث لغة السلام والتنمية. بذلك، لا يبحث الملكية فقط عن شرعنة سيادته على الصحراء؛ بل يخترع لغة دبلوماسية جديدة. لغة حيث تصبح الجيوسياسة شعرا، حيث تصبح خطوط الغاز استعارات للأخوة، وحيث يصبح الحكم الذاتي وعدا بالبعث. سيخلد التاريخ أن موجة الصدمة التي أيقظت الضمائر الإفريقية انطلقت من الرباط، في منتصف القرن الحادي والعشرين. موجة ترسم، يوما بعد يوم، ملامح قارة لم تعد مفروضة، بل مرغوبة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *