بقلم زكية لعروسي, باريس
قد لا يحاكم الإنسان على ما فعل، بل على ما أطلقه في الهواء من احتمالات. ليست القضية هنا قضية مطربة إيرانية اسمها باراستو أحمدي، ولا قضية أغنية خرجت من فم امرأة بلا حجاب. القضية أعمق وأشد غرابة: إننا أمام سلطة تخاف من الصوت أكثر مما تخاف من السلاح، وترتعب من النبرة أكثر مما ترتعب من الانفجار. كأن التاريخ، وقد أصابه الأرق، قرر أن يعيد كتابة نفسه بقلم مكسور. امرأة تغني في فضاء افتراضي، في خان قديم يشبه استراحة للقوافل التائهة بين القرون، فتستيقظ مؤسسة كاملة من القضاة والفقهاء والحراس لترد على اللحن بالسوط.
يا للمشهد السريالي.منذ متى أصبح الجلد حجة فلسفية؟ ومنذ متى استطاعت العصا أن تفوز في مناظرة مع الموسيقى؟ إن المأساة الحقيقية ليست في عدد الجلدات، سواء كانت أربعا أو أربعا وسبعين. المأساة في أن الدولة الحديثة، بكل أجهزتها وبيروقراطيتها وقوانينها، تستطيع أن تعود فجأة إلى منطق القبيلة وهي ترتدي بدلة القانون. هنا تكمن المفارقة المذهلة. فالسلطة لا تعاقب الجسد فقط، بل تحاول تأديب الخيال. إنها لا تقول للمرأة: لا تغني. بل تقول لها شيئا أكثر رعبا: لا تتخيلي نفسك كائنا يملك حق الظهور. ولهذا تبدو القضية نسوية بامتياز، لا لأن بطلتها امرأة فحسب، بل لأن الصراع يدور حول سؤال أنثوي قديم قدم الحضارات نفسها: من يملك جسد المرأة؟ ومن يملك صوتها؟ ومن يملك حق تعريفها؟
في كل الأنظمة الأبوية، سواء لبست عباءة الدين أو ربطة عنق الحداثة، هناك خوف قديم من المرأة حين تتحول من موضوع للرؤية إلى ذات ناطقة. المرأة الصامتة يمكن احتواؤها. أما المرأة المغنية فكارثة سياسية. لأن الغناء ليس مجرد فن؛ إنه إعلان سيادة على النفس. حين تغني امرأة، فإنها تستعيد ملكية الهواء الذي يخرج من رئتيها. وحين تعاقب على الغناء، فإن العقاب لا يقع على الحنجرة وحدها، بل على فكرة الحرية نفسا. لو كان الجاحظ بيننا لربما كتب فصلا جديدا في «كتاب الحيوان» عن المخلوقات التي تخشى الأصوات النسائية أكثر مما تخشى المجاعة والفساد والحروب. ولو حضر أبو العلاء المعري لأطلق ضحكته السوداء الشهيرة وهو يرى أمّة تناقش طول الحجاب بينما تتجاهل طول المآسي. أما دوستويفسكي، ذلك الخبير الكبير في دهاليز الروح البشرية، لربما رأى في المشهد كله مثالاً مرعباً على التحول المرضي للأخلاق حين تصبح السلطة مقتنعة بأنها تحتكر الخير المطلق.

فالمشكلة ليست في الدين. ولم تكن يوما في الدين. المشكلة تبدأ عندما تتحول اللغة الدينية من أفق أخلاقي إلى جهاز شرطة. عندما تتوقف عن مخاطبة الضمير لتبدأ بمطاردة الجسد. عندما تصبح الفضيلة مشروعا إداريا. عندها تتحول النصوص إلى هراوات، ويتحول الوعظ إلى تقنية حكم. إن أكثر ما يثير التأمل في هذه القضية هو أن السوط هنا يبدو اعترافا غير معلن بالهزيمة. فالسلطات الواثقة من نفسها لا تجلد الأغاني. الأنظمة الواثقة لا تخاف من الفيديوهات. والمؤسسات التي تملك شرعية راسخة لا تدخل في حرب مع امرأة تحمل صوتا وكاميرا. حين يصل النظام إلى معاقبة الغناء، يكون قد دخل منطقة القلق الوجودي. كأنه يقول، من حيث لا يدري: “نحن نخاف من الرمز أكثر مما نخاف من الواقع.” وهذا ما يجعل قصة باراستو أحمدي أكبر من قصة فنانة.
إنها قصة القرن الحادي والعشرين نفسه. قرن تملك فيه المرأة منصة عالمية في هاتفها المحمول، بينما تحاول بعض السلطات أن تدير المجتمع بأدوات تنتمي إلى أرشيف القرون الوسطى. إنها مواجهة بين خوارزمية ويوتوبيا قديمة. بين شبكة لا مركزية وسلطة هرمية. بين المستقبل الذي وصل بالفعل، والماضي الذي يرفض الاعتراف بموته. لكن التاريخ، ذلك الروائي الماكر، لا يسير عادة في صف الجلاّدين. فالجلدات تنسى. أما الأغاني فتمتلك قدرة غريبة على البقاء. كم من حاكم اختفى؟ وكم من أغنية بقيت؟ كم من محكمة أغلقت أبوابها؟ وكم من صوت عبر القرون دون جواز سفر؟ ربما لهذا السبب يخاف الطغيان من الفن. لأن الفن لا يهزم السلطة في يوم واحد. بل يهزمها في الذاكرة. فحين يهدأ غبار اللحظة، لن يتذكر الناس أسماء القضاة الذين أصدروا الأحكام بقدر ما سيتذكرون امرأة وقفت أمام الكاميرا، في خان قديم، وغنت. غنت فقط. وكان ذلك كافيا ليكشف هشاشة عالم كامل.
📲 Partager sur WhatsApp
عبر الصوت تمر الرسائل. هذا تخشاه كثيرا الانظمة الكليانية. كما تفضلتم، المسألة لا علاقة لها بالدين، وإن كانت تبدو كذلك، لكن الأمر يتعلق بدوام الهيمنة.