بقلم زكية لعروسي, باريس
ليس المنتخب المغربي مجرد أحد عشر لاعبا يطاردون كرة فوق مستطيل أخضر، بل هو حكاية أمة كاملة اختارت أن تكتب اسمها بالحركة بدل الحبر، وبالعرق بدل الخطابة، وبالإرادة بدل الصدفة. في تلك المباراة أمام اسكتلندا، لم يكن الأمر مجرد انتصار رياضي عابر، بل كان أشبه بمشهد روائي تتداخل فيه الأسطورة مع الواقع. بدا اللاعبون وكأنهم أبناء الأطلس وقد حملوا صلابة الجبال إلى أرض الملعب، فيما كانت الكرة تتحرك بينهم كما لو أنها تعرف طريقها إلى المجد منذ البداية. وعندما اشتد ضغط المنافس في الدقائق الأخيرة، وقف الحارس المغربي كمنارةٍ شامخة على ضفاف الأطلسي، لا تهزها العواصف ولا تزعزعها الأمواج. لم يكن يصد الكرات فحسب، بل كان يحرس حلما جماعيا يسكن قلوب الملايين من طنجة إلى الكويرة، ومن سهول الغرب إلى صحارى الجنوب.

إن سر المنتخب المغربي لا يكمن في المهارة وحدها، بل في تلك الكيمياء النادرة التي تجعل الوطن يلعب داخل أقدام لاعبيه. هناك شيء أكبر من التكتيك وأعمق من الخطط. شيء يشبه ذاكرة المدن العتيقة في فاس وعبق الأزقة الزرقاء في شفشاون وصبر الفلاحين في السهول وكرامة الرعاة في الجبال. لقد أصبح المغرب في السنوات الأخيرة مدرسة كروية كاملة، تجمع بين الصرامة الأوروبية والروح الإفريقية والعبقرية المغربية الخاصة. مدرسة تؤمن بأن الانتصار ليس ضربة حظ، بل ثمرة رؤية وعمل وصبر طويل. وحين يرفع المنتخب راية الوطن، لا تبدو الراية قطعة قماش ترفرف في الهواء، بل تبدو تاريخا كاملا يرفرف. تاريخ شعب عرف كيف يحول التحدّيات إلى فرص، وكيف يصنع من الإيمان قوة دافعة نحو المستقبل.

إن هذا الفريق لا يلعب فقط من أجل النقاط أو الكؤوس، بل يلعب من أجل صورة المغرب في العالم؛ المغرب الذي يمد جسوره بين القارات، ويجمع بين الأصالة والتجدد، ويثبت في كل مناسبة أن الطموح حين يقترن بالعمل يصبح قدرا. وهكذا، لم يكن الفوز على اسكتلندا مجرد نتيجة على لوحة إلكترونية، بل كان فصلا جديدا في ملحمة كروية يكتبها أسود الأطلس بأقدامهم، ويقرأها الشعب المغربي بفخر، ويحفظها التاريخ في سجل الأمم التي عرفت كيف تجعل من الرياضة لغة للكرامة والأمل والمجد.
📲 Partager sur WhatsApp