بقلم زكية لعروسي, باريس
يبدو لبنان نقطة صغيرة على حافة المتوسط، شريطا ضيقا من الجبال والبحر لا يكاد يرى إذا اتسعت عدسة الجغرافيا. لكن التاريخ، ذلك الرسام الساخر، لم يعترف يوما بقانون الأحجام. فكم من دولة هزمتها ممرات ضيقة، وكم من اتفاقات كبرى تحطمت فوق صخور بدت للوهلة الأولى هامشية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس ما إذا كانت الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية قد توقفت، بل ما إذا كان لبنان سيوافق على أن يتوقف التاريخ عن استخدامه كساحة لتصفية الحسابات الكبرى.
منذ قرون، يعيش هذا البلد مفارقة تكاد تكون فلسفية. فهو أصغر من أن يكون قوة إقليمية، لكنه أكثر أهمية من أن يترك لشأنه. وكأن الجغرافيا حكمت عليه بأن يكون جسرا دائما بين مشاريع الآخرين. هنا مرّ الفينيقيون حاملين الأبجدية، وهنا عبر الرومان والعثمانيون والفرنسيون، وهنا أيضا تتقاطع اليوم خطوط الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة والعالم العربي. ولهذا فإن كل حديث عن اتفاقات إقليمية لا يكتمل دون المرور عبر لبنان، ليس لأنه الأقوى، بل لأنه النقطة التي تتحول فيها التوازنات النظرية إلى وقائع ميدانية. إن المفارقة الكبرى في المشهد الراهن تكمن في أن الاتفاق الذي أعلن إنهاء مرحلة من المواجهة الإقليمية يبدو عاجزا عن إخماد النار في أكثر الجبهات حساسية. وكأن الدبلوماسيين نجحوا في إغلاق أبواب القصر، لكنهم نسوا النافذة التي يدخل منها الدخان.

فإسرائيل تنظر إلى الجنوب اللبناني باعتباره مسألة أمن قومي مباشرة لا يمكن إخضاعها بالكامل لأي تفاهم دولي. وفي المقابل، ترى القوى المرتبطة بطهران أن أي تغيير جذري في معادلة الجنوب يطال جوهر ميزان الردع الذي تشكل خلال عقود. وبين الرؤيتين يقف لبنان نفسه، كمن يعيش داخل ساعة عملاقة تتحرك تروسها في عواصم بعيدة. ولو حضر دوستويفسكي، لجعل من لبنان بطلا تراجيديا يدرك مصيره لكنه لا يملك الهروب منه. بلدا يعرف أن الجميع يتحدثون باسمه، بينما قلّة فقط تسأله ماذا يريد. ومن منظور جيوستراتيجي بحت، لا تكمن أهمية لبنان في حجمه أو اقتصاده، بل في موقعه داخل شبكة التوازنات. فهو يشكل العقدة التي تلتقي عندها ثلاثة فضاءات استراتيجية: شرق المتوسط، والمشرق العربي، والمحور الممتد من الخليج إلى البحر المتوسط. ولهذا فإن أي اضطراب فيه يمتلك قدرة استثنائية على إنتاج تداعيات تتجاوز حدوده بأشواط.
هنا تظهر معضلة السياسة الدولية الحديثة. فالقوى الكبرى أصبحت قادرة على إدارة الأزمات أكثر من قدرتها على حلها. تستطيع تجميد النزاعات، لكنها تجد صعوبة متزايدة في إنتاج تسويات نهائية. لذلك نرى اتفاقات كثيرة تشبه الجسور المعلقة فوق الفراغ؛ تمنع السقوط الفوري، لكنها لا تقود بالضرورة إلى الضفة الأخرى. ولعل ما يثير التأمل أكثر هو موقع لبنان في الاقتصاد السياسي العالمي. فهو ليس عضوا في ، ولا يمتلك الوزن المالي أو الصناعي الذي يمنحه مقعداً بين القوى الاقتصادية الكبرى. ومع ذلك، فإن الأزمات التي تضربه غالبا ما تجد طريقها إلى طاولات تلك القوى. هذه مفارقة أخرى من مفارقات القرن الحادي والعشرين: دول خارج مجموعة العشرين تستطيع أحيانا التأثير في أجندة المجموعة أكثر من بعض أعضائها.

فالطاقة، والملاحة البحرية، وأمن شرق المتوسط، والهجرة، وإعادة الإعمار، والاستقرار الإقليمي، كلها ملفات تجعل لبنان حاضرا بصورة غير مباشرة داخل حسابات العواصم الكبرى. إنه ليس داخل غرفة القرار العالمية، لكنه يقف عند الباب الذي تمر منه كثير من القرارات. وكما كانت أمي خيرة تقول: “الشق الصغير في السد لا يخيف الناس يوم يظهر، بل يوم يبدأ الماء في تذكّر طريقه إليه.” هذه الحكمة الريفية البسيطة تشرح بدقة المعضلة اللبنانية الحالية. فالمشكلة ليست في حجم التوتر القائم، بل في قابليته للتحول إلى مسار تتدفق عبره أزمات أكبر. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى نادراً ما تبدأ من حيث يتوقع الجميع. تبدأ غالبا من الأماكن التي يظنها اللاعبون تحت السيطرة.
إن إسرائيل تدرك أن أي فراغ أمني على حدودها الشمالية يمثل خطرا مباشرا. وإيران تدرك أن خسارة أوراق النفوذ الإقليمي تعني تراجع قدرتها على التفاوض. أما القوى الغربية فتدرك أن انفجار الجبهة اللبنانية سيهدد كل الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة الإقليمية. لكن إدراك الخطر لا يعني دائما القدرة على منعه. وهنا يكمن جوهر المأساة السياسية اللبنانية: الجميع يعرف أن الاستقرار ضرورة، لكن كل طرف يعرّف الاستقرار بطريقة مختلفة. في الفلسفة السياسية، كان توماس هوبز يرى أنّ السّلام يولد عندما يحتكر طرف واحد القدرة على فرض النظام. أمّا الشرق الأوسط المعاصر فيبدو أقرب إلى عالم متعدد الإرادات، حيث تتقاطع السلطات الرسمية وغير الرسمية، المحلية والإقليمية والدولية، فوق الرقعة نفسها. ومن هنا لا يصبح السؤال: هل سينهار الاتفاق؟ بل يصبح: كم من الوقت يستطيع الاتفاق أن يعيش بينما تبقى أضعف حلقاته مفتوحة؟
إن مستقبل لبنان لا يتوقف فقط على توازن القوى العسكرية، بل على قدرة الدولة نفسها على استعادة دورها بوصفها المرجعية النهائية للقرار الوطني. فالدول ليست بعدد البيانات التي تصدرها، بل بقدرتها على جعل الآخرين يتصرفون كما لو أن تلك البيانات حقيقة نافذة. وربما لهذا السبب لن يتذكر المؤرخون هذه المرحلة باعتبارها مجرد فصل من الصراع الإقليمي، بل باعتبارها اللحظة التي وقف فيها الشرق الأوسط كله أمام الحقيقة القديمة ذاتها: أن الاتفاقات الكبرى لا تنهار عادة من أبوابها الرئيسية، بل من الشقوق الصغيرة التي يعتقد الجميع أنها تحت السيطرة.
📲 Partager sur WhatsApp