أحمد وحيدي الثورة الأشباح لا تعرف كيف تحكم

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الشرق الأوسط، لا تتحرك الأحداث كما تتحرك عقارب الساعة، بل كما تتحرك الرمال في قلب العاصفة. أحيانا تظن أن كل شيء تبدل، ثم تكتشف أن الريح نفسها ما زالت تدور في المكان ذاته منذ عقود. ولهذا فإن السؤال الحقيقي في طهران اليوم ليس: من وقّع الاتفاق؟ بل: من يملك القدرة على جعله حقيقة؟ ففي عالم الجمهوريات الثورية، التوقيع ليس دائما سلطة، والمنصب ليس دائما قوة، والرئيس ليس دائما الحاكم. هناك رجال يظهرون في الضوء، وهناك رجال يجلسون خلف الستار حيث تُصنع القرارات التي تغير مصير الأمم. وأحمد وحيدي ينتمي إلى الفئة الثانية.

إنه ليس مجرد جنرال إيراني آخر، بل أحد أبناء الجيل الذي تشكل وعيه وسط الحرب العراقية الإيرانية، تلك الحرب التي لم تكن بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية مجرد مواجهة حدودية، بل مختبراً وجودياً أعاد تشكيل عقل الدولة الإيرانية كلها. في رواية روسية عظيمة، كان يمكن أن يظهر وحيدي كشخصية خارجة من ضباب التاريخ؛ رجل قليل الكلام، يحمل على كتفيه ذاكرة أربعين عاماً من الصراع، ويتحرك داخل ممرات السلطة كما يتحرك لاعب شطرنج يعرف أن المباراة الحقيقية لا تُلعب فوق الرقعة بل داخل عقول الخصوم. لكن الخطأ الذي يقع فيه كثير من المراقبين الغربيين هو النظر إلى وحيدي باعتباره فردا فقط.

في الحقيقة، أحمد وحيدي ليس شخصا بقدر ما هو مؤسسة. وليس مؤسسة بقدر ما هو تجسيد لعقيدة. وليس عقيدة بقدر ما هو تعبير عن سردية تاريخية كاملة. إنه ابن الحرس الثوري أكثر مما هو ابن الدولة الإيرانية. وهنا يكمن مفتاح الفهم. فالدول التقليدية تبنى حول الجغرافيا. أما الثورات فتبنى حول الفكرة. والجمهورية الإسلامية منذ 1979 لم تكن دولة فقط، بل مشروعا تاريخيا يرى نفسه في مواجهة دائمة مع منظومة دولية يعتبرها معادية بطبيعتها. لهذا لا يمكن فهم صعود وحيدي دون فهم ما يسميه علماء السياسة “عسكرة الشرعية”. فكلما ضعفت الشرعية العقائدية، ازدادت أهمية المؤسسات الأمنية. وكلما تآكلت الكاريزما الثورية، تمددت سلطة الرجال الذين يحملون السلاح.

وهكذا، بينما كان كثيرون يعتقدون أن اغتيال أو غياب عدد من القادة سيؤدي إلى إضعاف المنظومة، ظهر ما يمكن تسميته بالمفارقة الإيرانية الكبرى. مفارقة قطع الرأس. إن التاريخ مليء بأمثلة مشابهة. حين مات الإسكندر الأكبر لم تسقط إمبراطوريته فورا، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة: مرحلة الجنرالات المتساوين. وحين غاب ستالين لم ينهَر الاتحاد السوفييتي، بل دخل دهاليز صراع بين رجال يملكون القوة نفسها تقريبا. وحين تراجعت هيبة الخلفاء العباسيين، لم تختف الدولة دفعة واحدة، بل ظهرت مراكز قوى متعددة تتحدث باسمها. هذا بالضبط ما يجعل المشهد الإيراني الراهن معقدا. فالمشكلة ليست وجود متشددين. المشكلة أن المتشددين أنفسهم لا يملكون مرجعية عليا لا ينازعها أحد. لقد كان النظام الإيراني لعقود يعمل وفق منطق الهرم.

أما اليوم، فيبدو وكأنه يتحرك وفق منطق المثلث. وفي السياسة، الهرم أكثر استقراراً من المثلث. لأن قمة الهرم تحسم الخلاف. أما المثلث فينتج توازنا دائما بين الطموحات المتنافسة. ومن هنا تكتسب العبارة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي أهمية استثنائية. حين يقول رجل إنه وافق على اتفاق رغم اعتراضه عليه من حيث المبدأ، فإنه لا يكشف فقط عن رأيه. إنه يكشف عن حدود سلطته. فالسلطة الحقيقية لا تُقاس بما توافق عليه، بل بما تستطيع منعه. وهنا يبدأ القلق الجيوسياسي الحقيقي. لأن العالم اعتاد التفاوض مع أنظمة واضحة التسلسل القيادي. أما الأنظمة التي تتوزع فيها القوة بين أقطاب متعددة فتصبح أكثر غموضا. وأكثر خطورة. وأكثر صعوبة في التنبؤ. في هذه النقطة تحديدا يتحول أحمد وحيدي إلى شخصية مركزية في السياسة الدولية. ليس لأنه الأقوى فقط. بل لأنه يمثل نقطة التقاء ثلاثة عوالم في آن واحد. عالم الثورة. وعالم المؤسسة العسكرية. وعالم الدولة. إنه يقف عند تقاطع هذه الخطوط الثلاثة مثل حارس بوابة قديمة يعرف أسرار المدينة أكثر من حكامها المعلنين. ولهذا فإن السؤال الذي يشغل العواصم الكبرى اليوم ليس إن كانت طهران تريد الهدنة. بل أي طهران نتحدث عنها أصلا؟ طهران الرئاسة؟ أم طهران الحرس الثوري؟ أم طهران الشبكات العقائدية الممتدة من الخليج إلى البحر المتوسط؟

إن الصين تفهم هذه المعضلة جيدا. وروسيا تفهمها أكثر. أما الغرب فيبدو أحيانا كمن يبحث عن هاتف أحمر واحد للاتصال بطهران، بينما الحقيقة أن غرفة القيادة الإيرانية أصبحت أقرب إلى مجلس حرب منه إلى مكتب حاكم منفرد. وكما كانت أمي خيرة تقول دائما: “إذا كثر أصحاب المفتاح، بقي الباب مواربا.” كانت تقصد شؤون العائلة، لكنها كانت تصف من دون أن تدري كثيرا من الأنظمة السياسية في التاريخ. إن أخطر ما في المثلث الحاكم ليس احتمال رفض الاتفاق. بل احتمال تفسيره بطرق مختلفة. فالأنظمة المنقسمة لا تكسر التزاماتها دائما عمدا. أحيانا تكسرها لأنها لم تتفق أصلا على معناها. ومن هنا يبدو مستقبل التهدئة معلقا بين منطقين. منطق الدولة التي تحتاج إلى استراحة بعد سنوات من الاستنزاف. ومنطق الثورة التي تخشى أن تتحول الاستراحة إلى تنازل. وحيدي يفهم المنطقين معا. لكنه يعلم أيضا أن بقاء الحرس الثوري كقوة مهيمنة يحتاج إلى استمرار الشعور بالخطر. فالمؤسسات العسكرية، مثل الإمبراطوريات، تتغذى أحيانا على التهديد بقدر ما تتغذى على الانتصار.

وهكذا يجد العالم نفسه أمام مفارقة فلسفية مذهلة. الرجل الأكثر قدرة على ضمان الاتفاق قد يكون أيضاً الرجل الأكثر قدرة على تقويضه. والرجل الذي يحتاج إلى الهدنة ربما يحتاج كذلك إلى بقاء أسبابها. إنها ليست معضلة إيرانية فقط. إنها إحدى أقدم معضلات السلطة في التاريخ. من يحرس الدولة حين يصبح الحراس أنفسهم أصحاب الدولة؟ ربما لهذا لن يتذكر المؤرخون أحمد وحيدي باعتباره مجرد قائد للحرس الثوري. بل باعتباره رمزا لمرحلة انتقلت فيها الجمهورية الإسلامية من حكم العقيدة الواحدة إلى حكم التوازنات المعقدة. مرحلة لم تعد المشكلة فيها من يجلس على العرش. بل من يملك القدرة على إلزام الآخرين بالاعتراف بأن العرش ما زال موجودا.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “أحمد وحيدي الثورة الأشباح لا تعرف كيف تحكم

  1. ايران انتجت نظاما خاصا بها، وهذا ما يحير الغرب، الذي يسعى إلى تدميرها بكل الوسائل، بما في ذلك العسكرية. أعتقد أنه بعد الحرب، ستتغير امورا كثيرا، من أجل تحصين نفسها أكثر من التهديدات الخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *