بقلم زكية لعروسي, باريس
أصبح العالم قرية رقمية، لكن هذه القرية الجديدة أنتجت ظاهرة غريبة: بعض الأفراد لم يعودوا يزورون البلدان لاكتشاف ثقافتها أو تاريخها أو إنسانها، بل صاروا أحيانا يتعاملون معها كمواد خام لصناعة الجدل والمشاهدات والضجيج. وهنا يبرز سؤال جوهري: عندما نزور بلدا، هل نذهب إليه كضيوف نحترم قوانينه ومؤسساته، أم كقضاة نصدر الأحكام عبر شاشة هاتف؟ المغرب ليس عنوانا على خريطة السياحة العالمية. إنه إحدى أقدم الدول المستمرة في العالم. أرض تعاقبت عليها حضارات متعددة، من الأمازيغ إلى الأندلسيين، ومن القوافل الصحراوية إلى الموانئ الأطلسية التي ربطت إفريقيا بأوروبا والعالم. في مدن مثل مراكش وفاس ومكناس وطنجة لا يزور السائح مجرد حجارة أو مبان بل يزور طبقات متراكمة من التاريخ والذاكرة الإنسانية. ولهذا فإن صورة المغرب لا تبنى بفيديو قصير، كما أنها لا تنهار بفيديو قصير. الدول العريقة لا تهزها العواصف الرقمية .

لا يوجد بلد كامل. ولا توجد دولة فوق النقد. النقد حق مشروع في المجتمعات الحديثة، بل هو جزء من حيوية المؤسسات وتطورها. لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد القائم على الوقائع والاحترام، وبين الاتهامات العامة التي تطلق عبر المنصات الاجتماعية دون مسارات قانونية أو أدلة مثبتة. في عصر “الترند”، أصبح الاتهام أحيانا أسرع من التحقق. وأصبح الانفعال أسرع من الحقيقة. وهنا تكمن خطورة التأثير الرقمي عندما يتحول إلى أداة لصناعة الانطباعات بدل البحث عن الوقائع. العالم يعيش اليوم مرحلة جديدة. لم تعد الحروب تخاض فقط بالدبابات أو البيانات الرسمية. بل بالصورة. وبالفيديو. وبالمحتوى الفيروسي. وبالتأثير النفسي على الرأي العام. لكن من المهم التمييز بين الأفعال الفردية والمواقف الرسمية للدول. فإسناد تصرف شخص إلى شعب كامل أو دولة كاملة دون دليل واضح لا يخدم الحقيقة ولا يخدم النقاش الرصين. العلاقات بين الشعوب أكبر من منشور. وأعمق من فيديو. وأبقى من جدل على منصة رقمية.

القوة الحقيقية لأيّ دولة لا تكمن في قدرتها على الرد على كل استفزاز. بل في قدرتها على الاستمرار. المغرب واجه عبر تاريخه أزمات وتحولات وتحديات أكبر بكثير من الضجيج الإلكتروني. وظل محتفظا بخصوصيته الثقافية، وتنوعه الحضاري، وانفتاحه على العالم. فمن يزور المغرب بصدق يعود محملا بصور المدن العتيقة، وروائح التوابل، ودفء الضيافة، وتعدد الروافد الثقافية التي تجعل منه فضاء فريدا بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. الدول الكبرى تبقى في التاريخ أكبر من أن تختزل في جدل مؤقت. وقد علمتنا الحضارات أن الضجيج يعيش أياما، بينما تعيش الأمم قرونا. أما الحقيقة الأكثر رسوخا، فهي أن صورة الأوطان تبنى بالعمل والثقافة والمؤسسات والتنمية والانفتاح، لا بالصراخ ولا بالاستفزاز. والمغرب، بما يملكه من عمق تاريخي وثقافي وإنساني، سيظل أكبر من أيّ جدل، وأقوى من أيّ محاولة لاختزال تاريخه العريق في مقطع قصير أو رواية أحادية الجانب.
📲 Partager sur WhatsApp
زمن تكاؤل مفهوم المكان في حضوره المادي المكثف في واقعيته، يفرض الانفتاح على الصورة. من بوابة الهاتف وما يداه ويشاع من كذب، نطل على العالم. ما يفسر تواريخ الواقع وسط الضجيج الاعلامي الذي يسوق التمثلات عوض معطيات واقعية. المبدأ هو: اجلس، لا تتحرك في المكان، وسيحضر أمامك العالم بأحداثه ، لا داعي السفر، لكن ما الواقع الواقع، والحالة هاته؟ هذه هي ثقافة الترند والصورة…
السفر الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بعمق الاحترام الذي يحمله الزائر للبلد وأهله وثقافته. من حق أي شخص أن ينقل تجربته بصدق، لكن من الإنصاف أيضًا ألا تتحول تجربة فردية أو مقطع قصير إلى حكم على وطن عريق يمتد تاريخه لقرون. المغرب سيبقى بلد الحضارة والكرم والتنوع، وصورته تُبنى بما يقدمه عبر الزمن، لا بما يثيره محتوى عابر على منصات التواصل