بقلم زكية لعروسي, باريس
لا أحد يسأل الأسماك عن الطقس. نحن نسأل المزارعين. ونسأل أصحاب الفنادق. ونسأل خبراء الاقتصاد. ونسأل وزراء الطاقة. أما الأسماك، تلك الأمم الصامتة التي تسكن أكثر من سبعين في المائة من الكوكب، فلا أحد يسألها شيئا. ربما لأننا اعتدنا أن ننظر إلى البحر كما ينظر الإمبراطور إلى مستعمرة بعيدة. خزانا. مستودعا. مطبخا عملاقا. حقلا سائلا للغذاء والنفط والتجارة. لكن البحر ليس مستودعا. إنه قلب الأرض. والقلب متعب. هل تعاني الأسماك من الحرارة؟
السؤال يبدو بسيطا. لكنه يخفي مأساة كاملة. فالسمكة لا تتعرق مثلنا. ولا تفتح نافذة. ولا تشغل مروحة. ولا تهرب إلى شاطئ آخر. إنها تعيش داخل العنصر نفسه الذي يتغير. داخل بيتها. داخل جلدها الكوني. داخل الماء. وكلما ارتفعت حرارة البحر درجة واحدة فقط، تتحرك حياة كاملة من مكانها. أسراب تهاجر. شعاب تموت. طحالب تزدهر كالأمراض. وكائنات تختفي بصمت كما تختفي الكلمات المنسية من اللغات القديمة. إن السمكة لا تموت من الحرارة وحدها. بل من العالم الذي يتغير حولها.
في الماضي كان البحارة يخافون العواصف. أما اليوم فأصبحت العاصفة نفسها تخاف مما يفعله الإنسان. لقد حولنا المحيطات إلى أرشيف لخطايانا. النفط ينسكب فيها. البلاستيك يتكاثر فيها. المعادن الثقيلة تستقر في أعماقها. والضجيج الصناعي يغزو ظلماتها. حتى الحيتان التي كانت تغني منذ ملايين السنين أصبحت تضطر إلى رفع صوتها كي تسمع نفسها وسط ضجيج السفن. لقد لوث الإنسان البحر حتى صار الماء نفسه يحتاج إلى طبيب. والمفارقة أن الذين يتحدثون أكثر عن البحر هم الذين لا يرونه. الساسة. خبراء الطاقة. تجار النفط. الاستراتيجيون. عشاق الخرائط العسكرية. ينظرون إلى المحيط كما ينظر الصياد إلى خريطة كنز. حقول غاز. ممرات تجارية. مناطق نفوذ. قواعد بحرية. أنابيب طاقة.

أما الأسماك, قارئي العزيز, فلا تظهر في اجتماعاتهم إلا حين تتحول إلى أرقام إنتاج. طن من التونة. طن من السردين. طن من الأرباح. كأن البحر لم يعد بحرا. بل بورصة سائلة. وكأن الحيتان والدلافين وأسماك القرش مجرد هوامش في دفتر حسابات عملاق. والأغرب أن الحروب التي تشتعل فوق اليابسة تنتهي دائما تقريبا في البحر. النفط الذي يحرك الدبابات يخرج من باطن الأرض لكنه يعبر المحيطات. والغاز الذي تتصارع عليه القارات يمر عبر المياه. والأساطيل التي تحرس التجارة العالمية ترسم على سطح البحر خرائط الهيمنة الجديدة. لقد أصبح البحر مسرحا للحرب حتى عندما لا نرى الحرب. لو استطاعت الأسماك عقد مؤتمر دولي، لربّما خرجت ببيان قصير جدا: “أيها البشر… كفى.” لا أكثر. فهي لا تحتاج إلى فلسفة معقدة. يكفيها أن ترى ما نفعل.
لقد دخل الإنسان القرن الحادي والعشرين وهو يملك قدرة لم يمتلكها أي كائن قبله. يستطيع تغيير مناخ الكوكب. وتغيير مجرى الأنهار. وتغيير كيمياء المحيطات. وتغيير مصير آلاف الأنواع الحية. لقد صار قوة جيولوجية. لكن المشكلة أنه ما زال يتصرف أحيانا كقرصان. كل شيء في عصرنا يبدو مصابا بالحمى. الأسواق. الديمقراطيات. الغابات. المدن. البحار. حتى السياسة نفسها تبدو وكأنها فقدت قدرتها على التنفس. وكأن العالم كلّه تحوّل إلى مريض ضخم يتلقّى الأكسجين من أجهزة لم تعد تكفي. ولعلّ المأساة الكبرى ليست أنّ البحر يحتضر. بل أننا اعتدنا مشهد احتضاره. صرنا نتلقى أخبار نفوق الأسماك كما نتلقى نشرات الطقس. خبر آخر. رقم آخر. كارثة أخرى. ثم ننتقل إلى موضوع جديد.
لكن البحر لا ينسى. المحيطات تملك ذاكرة أطول من ذاكرة الأمم. ويوما ما ستعود إلينا كلّ قطرة نفط سكبناها. وكلّ كيس بلاستيكي ألقيناه. وكلّ جشع بررناه باسم النّمو. لأنّ الإنسان حين يهاجم البحر لا يهاجم شيئا خارج نفسه. إنّه يهاجم الرّئة التي يتنفس بها. والمرآة التي تعكس وجوده. والرّحم الأزرق الذي خرجت منه الحياة ذات يوم. ربّما لا تتعرق الأسماك. لكن المحيط كلّه يتصبّب حمى. وإذا كان للبحر صوت لا نسمعه، فلعلّه يهمس الآن من أعماقه البعيدة: “لم أعد أخشى العواصف. لقد أصبحت أخشى الإنسان.”
📲 Partager sur WhatsApp