الخريف الذي ضلّ طريقه إلى الأرض

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

كان يُفترض أن يطرق الخريف أبوابنا في الحادي والعشرين من سبتمبر، كما لو أن الفصول موظفون في قصر الزمن، لكل واحد منهم موعد لا يتغير. لكن الخريف، هذا الكائن المراوغ، قرر هذه المرة أن يتأخر. ليس في الأمر عصيان للأرض، ولا مؤامرة بين الغيوم والأشجار. إنها حيلة قديمة للسماء. فالأرض لا تدور حول الشمس في 365 يوما بالضبط، بل تحتاج إلى 365 يوما و5 ساعات و48 دقيقة تقريبا. تلك الساعات الصغيرة التي تبدو تافهة في حياة الإنسان، تتراكم في ساعة الكون حتى تغيّر موعدا بأكمله. ولهذا لن يبدأ الخريف فلكيا في 21 سبتمبر من هذه السنة، بل في 23 سبتمبر عند الساعة 2:05 صباحا، مع لحظة الاعتدال الخريفي. كأن الزمن نفسه أضاع يومين في الطريق.

لكن ربّما لم يكن الإنسان القديم مخطئا حين تخيل أن وراء هذا التأخر قصة. كان يملك السماء نفسها التي نملكها، ويرى الأشجار نفسها وهي تفقد أوراقها، ويرى الأرض نفسها وهي تنتقل من وهج إلى ذبول، لكنه لم يكن يملك ساعاتنا الذرية ولا معادلاتنا الفلكية. فحين عجز عن قياس ما يحدث، لجأ إلى الحكاية؛ وحين امتلكنا أدوات القياس، لم تختف الحكاية، بل تغيرت لغتها. في اليونان القديمة، لم يكن تعاقب الفصول رقما في تقويم، بل مأساة عائلية مكتوبة على جسد الأرض. كانت بيرسيفوني، ابنة ديميتر، تنزل إلى العالم السفلي، فتدخل الطبيعة في حزنها؛ وحين تعود إلى أمها، تستعيد الأرض خضرتها. كان غيابها ذبولاً، وعودتها ربيعا، وكان الزمن عندهم يتحرك وفقا لإيقاع الفقد والعودة.

تلك الأسطورة لم تكن محاولة لتفسير الفصول فحسب؛ كانت محاولة لفهم الزمن نفسه: لماذا يغيب ما نحب؟ ولماذا تعود الأشياء بعد أن نظن أنها رحلت إلى الأبد؟ ولماذا لا تكون العودة أبدا في اللحظة التي نريدها؟ بعد آلاف السنين، جاءت الفلكيات الحديثة وأجابت عن بعض ما تركته الأسطورة معلقا في سماء المجهول. لم تعد بيرسيفوني هي التي تتأخر، ولم تعد ديميتر هي التي تستنجد بالسماء؛ الذي يحكم الموعد هو دوران الأرض وعلاقتها بالشمس، وتلك الساعات الزائدة التي لا نراها بالعين، لكنها تتراكم عاما بعد عام حتى تجعل الخريف يصل في تاريخ مختلف. هنا تحديدا تلتقي الأسطورة بالعلم. فالأسطورة أعطت التأخر وجها، والعلم أعطاه رقما. الأسطورة قالت إن للأرض حزنا يجعل الفصول تتبدل، والعلم قال إن للأرض حركة دقيقة لا تطابق تماما حسابات التقويم. الأسطورة تحدثت عن العودة، والفلك تحدث عن الاعتدال. وبين اللغة القديمة ولغة العلم الحديثة، بقي الشيء الأجمل ثابتا: الكون لا يعمل وفقا لما نرسمه له من مواعيد، بل وفقا لإيقاعه الخاص.

ولعل في الخريف شيئا من طبعه أن يتأخر. فهو الفصل الذي لا يدخل العالم دفعة واحدة؛ يتسلل إليه كما يتسلل الحنين إلى القلب. ورقة أولى تسقط، ثم أخرى، ثم تكتشف الأشجار ذات صباح أنها ترتدي نصف ذاكرتها فقط. وفي المخيال العربي القديم، كان الخريف أكثر من مجرد فصل بين الصيف والشتاء؛ كان موسم النضج والحصاد وانطفاء وهج القيظ. ولذلك ظل قريبا من صور الثمر حين يبلغ تمامه، ومن الأرض حين تسترد أنفاسها بعد نار الصيف. وفي الشعر العربي، كثيرا ما تحولت الطبيعة إلى مرآة للإنسان: اصفرار الورق شيخوخة، وسقوطه تذكير بالفناء، والمطر وعدا جديدا بالحياة. وهكذا، من حكايات الآلهة إلى قصائد العرب، ومن الأسطورة إلى الفلك، ظل الخريف يحمل المعنى نفسه وإن تبدلت اللغة: شيء يرحل كي يفسح المجال لشيء آخر، وزمن لا ينتهي حين نظنه انتهى، بل يعيد ترتيب نفسه في صمت.

وفي 23 سبتمبر، حين تتساوى ساعات الليل والنهار تقريبا، لن يكون الخريف قد وصل متأخرا. سيكون قد وصل في موعده الحقيقي. وربما تكون المفارقة أن الإنسان هو الذي أخطأ الموعد، لا الخريف. نحن الذين وضعنا له يوما على التقويم، ثم غضبنا حين لم يأت في اليوم الذي اخترناه له. أما الأرض، فلم تخطئ شيئا. كانت فقط تواصل دورتها القديمة، كما فعلت منذ أن عرف الإنسان معنى الزمن. وربما علينا نحن أن نتعلم منها شيئا: أن بعض الأشياء الجميلة لا تأتي حين ننتظرها، بل حين يحين وقتها في ساعة لا نملك عقاربها.

One thought on “الخريف الذي ضلّ طريقه إلى الأرض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *