بقلم الإعلامي حيمري البشير,كوبنهاغن – الدنمارك
“الهجرة فرصة لفرنسا، وليست عبئًا عليها.” عبارة صادقة نطق بها مثقف وسياسي يعرف قيمة الكلمة، ويزن مواقفه بميزان الحكمة والعقل. إنها ليست مجرد وجهة نظر، بل خلاصة تجربة ميدانية وإيمان عميق بأن قوة المجتمعات تكمن في قدرتها على احتضان التنوع وتحويله إلى مصدر للإبداع والتقدم. صاحب هذه الرؤية هو الصديق الأستاذ فريد حسني، المحامي، والأستاذ الجامعي، والسياسي الذي استضفته في منبري الإعلامي خلال إحدى زياراته الاستكشافية إلى المجتمعين الدنماركي والسويدي. كانت زيارة أتاحت له فرصة التعرف عن قرب على التجربة الإسكندنافية، حيث يربط بين الدنمارك والسويد جسر هندسي فريد يمتد جزء منه فوق سطح البحر وجزء آخر عبر نفق مغمور تحت الماء، في صورة تجسد قدرة الإنسان على بناء الجسور بين الشعوب قبل أن تكون جسورا بين البلدان.
وقد عاد الأستاذ فريد بانطباع مختلف تمامًا عن الصورة النمطية التي رسمتها كتب التاريخ عن شعوب الشمال، تلك التي ركزت على حقبة الفايكنغ وما ارتبط بها من غزوات وقرصنة، متناسية ما بلغته هذه المجتمعات اليوم من رقي حضاري وثقافة ديمقراطية واحترام للإنسان. ويعد الأستاذ فريد حسني نموذجًا ناجحًا للمغربي الذي جمع بين الاعتزاز بأصوله والوفاء لوطنه الذي يحمل جنسيته. فقد جدد سكان بلدية بارنيز، إحدى ضواحي باريس، ثقتهم فيه، فعاد نائبا أول للعمدة بعد تجربة ناجحة في تدبير الشأن المحلي، وهو تجديد يعكس مكانته لدى المواطنين، ويؤكد أن الكفاءة والعمل الجاد يظلان المعيار الحقيقي لنيل ثقة الناخبين.
هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العطاء في مجالات التعليم الجامعي، والمحاماة، والعمل السياسي والجمعوي. ومن خلال انتمائه إلى تيار اليسار الفرنسي، ظل يدافع عن قيم العدالة الاجتماعية، والتعايش، والانفتاح، ويرى أن مستقبل فرنسا يمر عبر ترسيخ الاستقرار، ومحاربة جميع أشكال التطرف والعنف والإقصاء، وتعزيز اندماج جميع مكونات المجتمع دون تمييز. ويؤمن الأستاذ فريد حسني بأن الأجيال المولودة في فرنسا من أصول مهاجرة، ومنها الأجيال المنحدرة من أسر مسلمة، قادرة على الاندماج الكامل والمساهمة في بناء الجمهورية، متى توفرت لها فرص متكافئة، بعيدًا عن الخطابات العنصرية والأحكام المسبقة التي تغذي الانقسام وتعرقل التماسك الاجتماعي.
إن فرنسا، التي تضم ملايين المواطنين والمقيمين من أصول مهاجرة، بحاجة إلى تعزيز الاندماج الحقيقي، وتشجيع المشاركة السياسية، وإفساح المجال أمام الكفاءات المؤهلة للمساهمة في صناعة القرار. فالمواطنة الفاعلة هي السبيل لترسيخ مجتمع أكثر عدلا وتماسكا، وهي الكفيلة بتغيير الصورة النمطية عن المهاجرين، ولا سيما المنحدرين من أصول مسلمة، الذين كثيرًا ما يكونون عرضة للاستهداف بسبب دينهم أو خلفياتهم الثقافية. وليس الأستاذ فريد حسني سوى واحد من نماذج عديدة أثبتت أن النجاح لا تحدده الأصول، بل تحدده الكفاءة، والإخلاص، والالتزام بخدمة الصالح العام. إنه مثال للمثقف والسياسي الذي وضع علمه وخبرته في خدمة المجتمع، وأسهم في تعزيز ثقافة الحوار والتعايش، فاستحق أن يكون مصدر فخر لكل من يؤمن بقيم العمل والاجتهاد. لقد كان لي شرف استضافة الأستاذ فريد حسني في حوار إذاعي عبر إذاعة السلام في كوبنهاغن، وكان لقاءً ثريا وعميقا، عكس شخصية مثقف يؤمن بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان، وأن الهجرة ليست مشكلة في حد ذاتها، بل يمكن أن تكون فرصة حقيقية عندما تُبنى على الاندماج، واحترام القانون، وتكافؤ الفرص.

لا ينبغي لبلد مفكري الأنوار ، بلد الاستعمار!! أن تتنكر لتجربتها الرابحة من سياسة الهجرة: مجال المناجم، البناء، السكك الحديدية، الصناعة….مجالات اعتمدت على سواعد المهاجرين، هؤلاء الذين جلهم انتهى بتقاعد هزيل!! يا بلد من ساهم في تأسيس قيم الأمم المتحدة والحق الإنساني الدولي….
والآن في عهد فكر سياسي يدعو الى الأنوار المظلمة، لا يمكن أن نشاهد سوى مثل داك النقاش وتلك المواقف من مسألة الهجرة التي عرفت بفشلها الدريع في هذا البلد. فشل سياسة الإدماج لتعدد الثقافات والأعراق…بل جهزت نوع من الإعلام الذي صنع تمثلات تشيطن الغير من أصول ما وراء البحار….