فنزويلا بين الزلزال وأسئلة الإنسان

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم يكن ما حدث في فنزويلا مجرد زلزال. كان لحظةً قررت فيها الأرض أن ترفع صوتها فوق ضجيج السياسة، والاقتصاد، والحروب، والأسواق، لتذكّر الإنسان بحقيقة قديمة: نحن لا نسكن الكوكب، بل نستعير سطحه مؤقتًا. في ثوان معدودة، تحولت الأبراج إلى طبقات من الغبار، وتحولت النوافذ التي كانت تستقبل شمس الكاريبي إلى أفواهٍ مفتوحة على العدم. المدن التي كانت تحفظ أسماء سكانها صارت تحفظ أسماء المفقودين، والطرقات التي كانت تؤدي إلى البيوت أصبحت تؤدي إلى أكوام من الإسمنت والحديد، بينما بقيت أصوات العالقين تحت الأنقاض آخر تعريف للحياة. الزلزال لا يهدم الحجر فقط، بل يهدم الوهم. الوهم الذي صنعته الحضارة الحديثة حين أقنعت الإنسان بأنه أصبح سيد الطبيعة، بينما الحقيقة أن الطبيعة لا تعترف بالسيادة، بل بالتوازن.

في الفلسفة اليونانية، كان الفيلسوف طاليس الملطي يتصور أن الأرض تعوم فوق الماء، وأن اهتزاز هذا المحيط هو سبب الزلازل. أما أرسطو فقد تخيل أن رياحًا محبوسة في باطن الأرض تبحث عن منفذ، فإذا احتدمت انفجر الحجر واهتزت المدن. لم تكن تلك التفسيرات صحيحة وفق المعرفة الجيولوجية الحديثة، لكنها كانت محاولة نبيلة للإجابة عن سؤال الإنسان الأول: لماذا تغضب الأرض؟ أما في التراث العربي والإسلامي، فقد ربط بعض العلماء والوعاظ الزلازل بالتذكير بفناء الدنيا، بينما تعامل علماء الطبيعة المسلمون معها بوصفها ظاهرة تستحق الملاحظة والبحث. كتب الجاحظ عن غرائب الأرض، وأشار المسعودي والقزويني إلى أخبار الهزات الأرضية كما رصدها الناس، في حين كان ابن سينا يربط بعضها بحركات وغازات في باطن الأرض، وهي فكرة تقترب – بصورة بدائية – من بعض التصورات الفيزيائية القديمة. هكذا كان الإنسان، شرقًا وغربًا، يبحث عن معنى قبل أن يبحث عن المعادلة. أما اليوم، فإن العلم يقدم تفسيرا أكثر دقة. ليست الأرض كرة صلبة كما تبدو، بل فسيفساء هائلة من الصفائح التكتونية التي تتحرك ببطء لا يتجاوز بضعة سنتيمترات في السنة، لكنها تختزن طاقات تعادل آلاف القنابل النووية. وعندما تتحرر هذه الطاقة خلال ثوانٍ، لا يكون ما نراه مجرد اهتزاز، بل إعادة كتابة لجغرافيا المكان. المفارقة أن الحركة التي تبني الجبال هي نفسها التي تهدم المدن. إن الطبيعة لا تعرف الخير والشر، وإنما تعرف قوانينها فقط.

لكن مأساة فنزويلا لا تبدأ عند مركز الزلزال، بل عند نوعية البناء، ومستوى التخطيط العمراني، ومدى استعداد الدولة والمجتمع. فالزلزال ذاته قد يضرب بلدين مختلفين، فيقتل في أحدهما عشرات، ويحصد في الآخر آلاف الأرواح. وهنا يصبح السؤال اجتماعيًا قبل أن يكون جيولوجيًا. هل كانت الأبنية مقاومة للهزات؟ هل كانت أجهزة الإنقاذ مستعدة؟ هل وصلت الثقافة الوقائية إلى المدارس والجامعات والأحياء؟ كم من الضحايا يموتون بسبب الزلزال، وكم منهم يموتون بسبب الفقر، والفساد، وسوء التخطيط؟ إن الكارثة الطبيعية كثيرا ما تكشف الكوارث البشرية المختبئة. ويأتي هذا كله بينما يعيش العالم صيفا استثنائيا، بحرارة قياسية تضرب قارات عدة، وتفتح بابا واسعا للنقاش. من المهم علميا التمييز بين أمرين: لا يوجد حتى الآن دليل علمي قاطع على أن موجات الحر أو الاحترار العالمي تسبب الزلازل مباشرة. فالزلازل تنتج أساسا عن حركة الصفائح التكتونية. لكن تغيّر المناخ يزيد من هشاشة المجتمعات، ويضاعف آثار الكوارث عبر ارتفاع درجات الحرارة، ونقص المياه، وضغط البنية التحتية، وتعقيد عمليات الإنقاذ والإغاثة. العالم لا يصبح أكثر زلازل بالضرورة، لكنه يصبح أكثر هشاشة أمام الكوارث.

واللافت أن الزلزال لا يساوي بين الناس. الأغنياء يهربون إلى مبان أكثر أمانا. الفقراء يبحثون عن أطفالهم بأيديهم العارية. في الكوارث، تظهر العدالة القاسية للطبيعة، لكنها تكشف أيضًا ظلم المجتمعات. ولذلك فإن الأنقاض ليست مجرد إسمنت محطم، بل وثائق اتهام صامتة ضد السياسات التي جعلت الإنسان أضعف من أن يواجه غضب الأرض. كتب الفيلسوف هيراقليطس أن “كل شيء يجري”، وأن الثبات وهم. وكان ابن خلدون يرى أن العمران يزدهر ثم يشيخ ثم ينهار، شأنه شأن الكائن الحي. وفي زلزال فنزويلا، يبدو أن التاريخ يلتقي بالجيولوجيا. فالمدن أيضا تموت. لكن الإنسان يصر دائمًا على إعادة بنائها. ربما لهذا السبب تستمر الحضارة. ليس لأنها لا تنهار، بل لأنها تعرف كيف تنهض. ليست المأساة في أن الأرض اهتزت. المأساة أن الإنسان، بعد آلاف السنين من المعرفة، لا يزال يبني أحيانا مدنا لا تستطيع احتمال دقيقة واحدة من غضب الطبيعة. وربما لهذا فإن الزلزال الحقيقي ليس ما حدث تحت الأرض… بل ما ينبغي أن يحدث فوقها، في وعينا، وفي سياساتنا، وفي طريقة فهمنا لعلاقتنا بهذا الكوكب الذي يمنحنا الحياة، ويذكّرنا بين الحين والآخر بأنه ليس ملكا لنا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *