جامعات تبيع الحلم… وتشتري المستقبل

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليس أخطر على الحضارات من أن تتحول المعرفة إلى بضاعة، وأن يصبح العقل سلعة معروضة في واجهات التسويق، وأن يغدو الطالب، الذي كان في الأزمنة القديمة وريث الحكمة، مجرد “عميل” في دفتر الأرباح والخسائر. في فرنسا، حيث ولدت فكرة الجامعة الحديثة بوصفها فضاء عموميا لإنتاج المعرفة وتحرير العقل، يدق تقرير رسمي حديث ناقوس الخطر: بعض مؤسسات التعليم العالي الخاصة الربحية تعاني اختلالات في الرقابة، وهشاشة مالية، وممارسات تسويقية قد تعرّض آلاف الطلبة لمخاطر انقطاع الدراسة أو تلقي تكوين لا يرقى إلى الوعود المعلنة. هذه ليست أزمة تعليم فحسب، بل أزمة حضارة. فالجامعات لا تفلس حين تنفد أموالها فقط؛ إنها تبدأ بالإفلاس يوم تتحول الحقيقة إلى منتج، والطالب إلى رقم، والشهادة إلى إعلان تجاري.

كانت الأكاديمية عند أفلاطون حديقة للأسئلة، لا مصنعا للشهادات. وكان أرسطو يرى أن غاية التعليم ليست المنفعة المباشرة وحدها، بل تكوين الإنسان القادر على التفكير الرشيد والعيش الفاضل. لم يكن العلم عند اليونان مجرد طريق إلى وظيفة، بل كان طريقًا إلى الحرية. وعندما انتقلت شعلة المعرفة إلى الحضارة العربية الإسلامية، لم تبنَ المدارس الكبرى لتكون مشاريع استثمارية، بل مؤسسات للوقف والعلم. ففي بيت الحكمة ببغداد، وفي القرويين بفاس، والأزهر بالقاهرة، والزيتونة بتونس، كان العلم يعدّ رسالة قبل أن يكون مهنة. وقد لخّص الجاحظ هذه الرؤية حين جعل المعرفة غذاء للعقل، لا سلعة في السوق، بينما رأى الفارابي أن المدينة الفاضلة لا تقوم إلا إذا كانت الحكمة هي التي تقود السياسة والاقتصاد، لا أن تخضع لهما. وكان ابن خلدون، في مقدمته، أكثر جرأة حين ربط ازدهار العمران بازدهار التعليم، وعدّ فساد المعرفة مقدمة لفساد الدولة نفسها. فالعلوم عنده ليست زينة ثقافية، بل البنية العميقة التي تحفظ المجتمع من الانهيار. لكن العالم تبدّل. لم تعد الجامعة، في كثير من السياقات، بعدد العلماء الذين تخرّجهم، بل بحجم الإيرادات التي تحققها، وبمعدلات النمو التي تعرضها للمستثمرين، وبقدرتها على اجتذاب الزبائن في سوق عالمي للتعليم. هكذا دخلت مفردات المال إلى قلب الحرم الجامعي: العائد على الاستثمار، الحصة السوقية، العلامة التجارية، تكلفة الطالب، وربحية البرنامج. شيئا فشيئا، أخذت لغة سقراط تتراجع أمام لغة المحاسبين.

اقتصاديا، لا يمكن اختزال الصورة في إدانة التعليم الخاص. فالقطاع الخاص أسهم في توسيع فرص الالتحاق بالتعليم العالي، وابتكر برامج جديدة، وربط بعض التخصصات بحاجات سوق العمل. لكن الخطر يظهر عندما تصبح الربحية المعيار الأعلى، من دون رقابة فعالة أو شفافية كافية. إذا ارتفع الدين المالي للمؤسسة، يصبح الطالب في بعض الأحيان وسيلة لسداد القروض أكثر من كونه محور العملية التعليمية. عندها قد تتقلص ساعات التدريس، وتزدحم القاعات، وتتراجع جودة التأطير، بينما تزداد الحملات الإعلانية بريقا. المشكلة، إذن، ليست في وجود التعليم الخاص، بل في غياب التوازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الأكاديمية.

اجتماعيا، تتجاوز آثار ذلك أسوار الجامعات. فالطالب الذي يستدين أو تتحمل أسرته رسوما مرتفعة لا يشتري خدمة عادية، بل يراهن على مستقبله كله. وإذا اكتشف لاحقا أن الشهادة لا تحقق الوعود المعلنة، أو أن المؤسسة تعاني هشاشة مالية، فإن الخسارة لا تكون مالية فقط؛ إنها تمس الثقة في التعليم بوصفه أداة للترقي الاجتماعي. وحين تهتز هذه الثقة، يتصدع أحد أعمدة العقد الاجتماعي الحديث. ومن منظور فلسفة العلم، يذكّرنا إيمانويل كانط بأن الإنسان يجب أن يعامل دائما بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غاية أخرى. فإذا أصبح الطالب مجرد مصدر دخل، انقلبت الغاية إلى وسيلة، وفقد التعليم روحه الأخلاقية. أما حنا آرنت فقد رأت أن التعليم هو الجسر الذي تعبر عليه كل حضارة لتسلّم العالم إلى الجيل التالي. فإذا تحوّل هذا الجسر إلى منصة تسويق، فإن المجتمع لا يخسر مؤسسة تعليمية فحسب، بل يخسر جزءا من ذاكرته ومستقبله.

علميا، تؤكد أبحاث اقتصاد التعليم أن جودة التكوين ليست بالمباني الفخمة أو بالحملات الدعائية، بل بعوامل أكثر عمقا: كفاءة الأساتذة، صرامة المناهج، جودة البحث العلمي، استقلالية التقييم، ونزاهة المعلومات المقدمة للطلبة حول فرص التشغيل. فالجامعة ليست شركة تنتج شهادات؛ إنها منظومة تنتج رأس المال البشري، والثقة الاجتماعية، والقدرة على الابتكار. وحين تضعف هذه المنظومة، تتراجع تنافسية الاقتصاد نفسه.

في العمق، يطرح هذا النقاش سؤالا حضاريا قديما بصيغة جديدة: هل المعرفة حق عام أم سلعة؟ ربما لا يوجد جواب بسيط. لكن المؤكد أن المجتمعات التي اختزلت الجامعة في ميزانية سنوية خسرت، مع الوقت، قدرتها على إنتاج المفكرين والعلماء الذين يصنعون المستقبل. فالاقتصاد يحتاج إلى الجامعات، لكن الجامعات لا ينبغي أن تصبح أسيرة منطق السوق وحده. لعل الصورة الأبلغ هي أن نتخيل مكتبة عظيمة، كانت الرفوف فيها تمتلئ بالحكمة، فإذا بها تتحول إلى متجر فاخر، تقاس فيه قيمة الكتاب بسعر غلافه لا بما يفتحه من آفاق. هناك يبدأ الإفلاس الحقيقي. ليس إفلاس الحسابات، بل إفلاس المعنى. فالجامعة التي تفقد رسالتها تشبه منارة ما زالت مضاءة، لكنها لم تعد تهدي السفن. وهذا أخطر من أي خسارة مالية؛ لأنه يمس المستقبل نفسه، ويجعل الأجيال المقبلة ترث شهادات أكثر، ومعرفة أقل، وسوقا أوسع، وحكمة أندر.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *