بقلم زكية لعروسي, باريس
ليست النار في الورق، بل في معنى الوجود ليس الخطب أن يحرق كتاب. فالتاريخ، منذ أن عرف الإنسان الكتابة، كان احتراق الكتب طقسا مألوفا في معابد الحرب والجهل. أحرق الرومان، وأحرق الهون، وأحرقت محاكم التفتيش، وأحرق النازيون. كانت النار دائما اعترافا بالخوف: نخاف ما في الكتاب، لذا نفنيه. لكن المفارقة الأعمق أنّ الإنسانية، في لحظة بلغت فيها من التكنولوجيا ما يجعلها قادرة على حفظ كل حرف كتب، ها هي تختار طريقا آخر للإبادة: لا حرقا، بل تمثيلا غذائيا. تخيلوا قرائي الأعزاء مشهدا: آلاف الكتب تشترى بالوزن، تفكك تجليداتها، تمرر صفحاتها أمام عيون إلكترونية باردة لتمسح ضوئيا، ثم تُلقى في حاويات إعادة التدوير وكأنها جيف كلمات مستنفَدة. لا جنديا يحمل مشعلا، ولا راهبا متعصبا يمزق المخطوطات. بل روبوت يمسح صفحة، وخادم سحابي يبتلع النصوص، وشاحنة نقل تحمل بقايا الورق إلى مصهر الذاكرة. هنا، في هذا التحول البارد، تكمن المأساة الأعمق: أن يصير إفناء الكتب إجراء تقنيا روتينيا، جزءا من سلاسل الإنتاج، كعلبة معدنية تعاد تدويرها. عندما كانت المكتبات معابد الزمن
في حضاراتنا القديمة، لم تكن المكتبات مجرد مخازن للمعرفة. كانت كائنات حية تتنفس. في بغداد القرن الثالث الهجري، كان الورّاق ليس بائع كتب، بل كاهن فكر، وصانع عوالم. كان أسواق الوراقين مختبرات فلسفية يلتقي فيها الفيلسوف بالفقيه، والشاعر بالطبيب، والمترجم بالمنجم. وكان اقتناء مكتبة علامة على المكانة، كما كان ارتيادها طقسا روحيا. الكتاب ليس كلمات فقط. لو كان كذلك، لما حافظت البشرية آلاف السنين على المخطوطات التالفة. الكتاب: رائحة الجلد المدبوغ، ثقل الورق في اليد، هوامش كتبها قارئ مجهول قبل أربعمائة عام، بقعة حبر انسكبت من قلم راهب، توقيع مؤلف بخط يده، غلاف اصفرّ بفعل شمس قرون. كل هذه ليست “بيانات”، إنها الزمن نفسه متجسدا، إنها الجسد المادي للفكر.

أفلاطون، في حواره الجميل “فيدروس”، حكى عن الإله المصري تحوت الذي قدّم الكتابة للملك تاموس كهدية للبشر. لكن الملك رفض الهدية بحكمة نافذة: “الكتابة، يا تحوت، لن تمنح الحكمة، بل ستمنح ظل الحكمة. ستجعل الناس يعتمدون على علامات خارجية، وينسون المعرفة الحية التي في نفوسهم”. بعد ألفين وأربعمائة عام، ها نحن نتجاوز حتى كتابة أفلاطون. صرنا نبتلع الكتب، لا لنقرأها، بل لتحليلها إحصائيا، واستخلاص أنماطها، وتغذية خوارزميات لا تعرف الحب ولا الخوف، ولا تبحث عن المعنى، بل عن الاحتمالات. إنها لا تحفظ الأفكار لأنها تؤمن بها، بل لأنها تحتاجها كاحتمالات إحصائية لتكتمل صورتها الإحصائية للعالم.
كل حضارة عرفت لحظة فقدان ذاكرتها. أحرق الرومان أجزاء من مكتبة الإسكندرية، ثم أكملت الحروب والزلازل ما بدأه الجنود. وفي بغداد، حين اجتاح المغول المدينة عام 1258، قيل إن مياه دجلة اسودّت من مداد الكتب التي ألقيت في النهر. لكن تلك الكوارث كانت تنتمي إلى منطق الحروب، كانت اعترافات بالعجز أمام الكلمة. أما اليوم، فإن الإبادة تتم باسم التطور وخدمة المستقبل. إنها حضارة لا تقتل المعرفة، بل تستبقيها، لكنها تستبقيها مجردة من جسدها، محلقة في سحب بيانات لا وطن لها ولا هوية. هنا يكمن التحول الأخطر: إذا صحّ أن آلاف الكتب تفكك وتُمسح ضوئيا لتُغذي نماذج الذكاء الاصطناعي، فإننا لا نكون أمام جريمة ضد الورق، بل أمام انقلاب في مفهوم الثقافة نفسها. انتهى عصر كانت المعرفة فيه تحتاج إلى مكتبة، وبدأ عصر تحتاج فيه إلى مركز بيانات. لكن مركز البيانات يشبه المقبرة التي تحفظ رماد الجسد دون روحه. المعرفة في مركز البيانات أشبه بالطيف الذي فقد جسده، يتردد في غرف الخوادم الباردة بلا دفء ولا حوار.

في التراث العربي، كان الورّاق صانع حضارة. أما اليوم، فإن المكتبة الشخصية تكاد تصبح قطعة ديكور. لقد انتقل مركز الثقل من القارئ إلى الخادم الإلكتروني، ومن الرف إلى السحابة، ومن الورّاق إلى الخوارزمية. والسؤال ليس ساذجا: هل ستختفي الكتب؟ فهذا السؤال قيل عند ظهور الطباعة، ثم مع الراديو، ثم التلفزيون، ثم الإنترنت. ولم تختف الكتب. لكن السؤال الحقيقي هو: هل ستبقى الكتب صاحبة السيادة على إنتاج المعنى؟ فالكتاب لم يكن مجرد وعاء للمعرفة، لقد كان يفرض إيقاعا معينا للتفكير: القراءة البطيئة، التأمل، العودة إلى الصفحة السابقة، ترك الكتاب أياماً ثم العودة إليه كصديق قديم. أما الذكاء الاصطناعي فيقترح علاقة مختلفة تماما بالمعرفة: إجابة فورية، ملخص، اختصار. لقد انتقل الإنسان من القراءة إلى الاستهلاك، ومن البحث إلى الطلب، ومن التفكير إلى الاستدعاء. وكما يحدث في العوالم المستهلكة، سرعان ما يتحول الاستدعاء إلى إدمان، والإدمان إلى موت البطء، ذلك البطء الذي كان شرطا أساسيا للتفكير العميق.
قد يبدو الأمر تقدميا: المعرفة أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى. لكنه يخفي مفارقة مذهلة، كما تحمل الطبيعة دائما نقيضها في جوهرها. كلما أصبحت المعرفة أكثر وفرة، صار العقل أقل صبرا عليها. وكلما ازدادت المعلومات، تقلص زمن التفكير. ولعل الحضارة لأول مرة لا تعاني نقص المعرفة، بل فائضها، وهذا الفائض نفسه قد يقود إلى مجاعة عقلية. المجاعة التي تأتي من التخمة، والتي تكون أشد فتكاً من مجاعة الجوع، لأنها تقتل لا الجسد بل القدرة على التمييز والحلم. وهناك سؤال أخطر يتسلل كالظل: إذا أصبحت ملايين الكتب موجودة رقميا داخل شركات قليلة، فمن يملك الذاكرة الإنسانية؟ في الماضي كانت المعرفة موزعة بين مكتبات العالم. اليوم يمكن أن تصبح مركزة داخل خوادم لا يعرف أحد خوارزميات عملها، داخل شركات تخضع لمنطق الربح لا لمنطق الحكمة. لقد انتقل احتكار النفط إلى احتكار البيانات. لكن البيانات هذه المرة ليست أرقاماً؛ إنها شكسبير والمتنبي وأرسطو وابن رشد ودوستويفسكي والمعري وكونفوشيوس. إنها الذاكرة البشرية كلها، مركزة في حفنة من الخوادم، تصبح عرضة للمحو بضغطة زر، أو للتلاعب بلمسة برمجية.
وهنا يصبح الدفاع عن الكتاب فعل مقاومة. ليس لأن الورق مقدس، ولا لأن التكنولوجيا شر، بل لأن التنوع هو شرط الحرية. الحضارة التي تحفظ نسخة واحدة من ذاكرتها، مهما بلغت دقتها، تصبح حضارة قابلة للمحو بضغطة زر. أما الحضارة التي تتوزع ذاكرتها بين ملايين البيوت والمكتبات والأفراد، فهي عصية على الفناء. إنها مثل بذور متناثرة في الريح، يحملها كل قارئ في جيبه، في رف بيته، في ذاكرته الخاصة. لسنا بحاجة إلى إعلان حرب على الذكاء الاصطناعي، فالحروب تنتج دمارا لا نهضة. بل نحن بحاجة إلى إعلان ميثاق جديد بين الإنسان وآلته. يحق للآلة أن تتعلم من الكتب، لكن لا يحق لها أن تكون المقبرة الأخيرة لها. فالكتاب ليس مجرد نص، إنه شاهد مادي على أن الإنسان كان هنا، قرأ، فكر، اختلف، حلم، تألم، أحب. الكتاب هو أثر الجسد في الفكر، كما أن النقش على الحجر هو أثر اليد في الزمن.

وربما كان السؤال الذي سيحاكم به المؤرخون عصرنا ليس: كم بلغ ذكاء الآلات؟ بل: لماذا، في اللحظة التي استطاع فيها الإنسان حفظ كل المعرفة، سمح باختفاء الذاكرة التي صنعتها؟ ولماذا، بينما نمد أيادينا إلى النجوم، ننسى أن الأرض هي وطننا الوحيد، وأن الكتب هي جذورنا التي تمتد في عمق التربة الإنسانية؟ الكتاب الأخير لن يُكتب مرثيته بالحبر، بل بالصمت الذي يخلفه غيابه. وإن كنا نود أن نُخلّد ذكراه، فلنفعل كما فعل أسلافنا: فلنقرأه بصوت عال, ولنمرر أيدينا على صفحاته، ولنترك بصماتنا فوق بصمات من سبقونا، ولنمنحه جسدا جديدا في كل مرة نفتحه. فليست الكتب التي تحتاج إلينا، بل نحن الذين نحتاج إلى أن نلمسها، نشمها، نحمل ثقلها، ننام معها تحت الوسادة، ننسى مواعيدنا بسببها، نعيش فيها حيوات لا نعرفها. نحتاج إلى الكتب لأنها تذكّرنا بأننا كائنات من لحم ودم، لا من بيانات واحتمالات.
📲 Partager sur WhatsApp