دار المغرب تحتفي بالكاتب مصطفى كبير عمي… حين تنحني القارات أمام سلطة الكلمة

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة لقاءات تتجاوز حدود المناسبة لتغدو لحظة من لحظات التاريخ الخفي للأدب؛ لحظة تنكشف فيها اللغة عن معدنها الأول، وتستعيد الثقافة معناها بوصفها مقاومة للنسيان، وانتصارا للإنسان على هشاشة الزمن. هكذا بدا بيت المغرب بالمدينة الجامعية الدولية في باريس، وهو يفتح أبوابه لاستقبال الروائي المغربي الكبير مصطفى كبير عمي، في أمسية احتفت بكتابه الجديد «أناشيد لإفريقيا وللقارات التي لا تخاف». لم يكن الأمر مجرد تقديم كتاب، بل كان احتفالا بفكرة الكتابة نفسها؛ تلك القوة الغامضة التي تجعل الورق أوسع من الجغرافيا، وتجعل الإنسان أكبر من الحدود التي ترسمها السياسة، وأعمق من الخرائط التي يصنعها التاريخ.

كان المكان، في تلك الأمسية، أشبه بمحراب للكلمة. الصمت نفسه بدا وكأنه ينصت. والجدران التي شهدت مرور أجيال من الطلبة والباحثين، كانت تستعيد شيئا من ذاكرتها الثقافية وهي تستقبل رجلا لم يأت حاملا حقيبة كتب، بل جاء محمولا بتاريخ طويل من الأسئلة، ومن الإقامة الشاقة داخل اللغة. إن مصطفى كبير عمي ليس روائيا يكتب عن المنفى، بل كاتب جعل من المنفى مختبرا لفهم الإنسان. فمنذ أن غادر مدينته تازة ليستقر في فرنسا، لم يكتب المسافة بوصفها انفصالا، بل بوصفها سرا. ولم يجعل من الاغتراب ندبة، وإنما حوّله إلى نافذة يطل منها على العالم كلّه. ولذلك يصعب أن يقرأ أدبه باعتباره أدبا مغربيا أو فرنكوفونيا فحسب؛ إنه أدب يتجاوز التصنيفات، لأنه ينتمي إلى ذلك الحقل النادر الذي تتحول فيه الرواية إلى تأمل فلسفي في المصير الإنساني.

ولعل هذا ما يمنح مشروعه الأدبي فرادته. فهو لا يروي الحكايات بقدر ما ينقّب في الطبقات العميقة للذاكرة. يفتش عن الإنسان المختبئ خلف الأسماء، وعن الحقيقة الكامنة وراء الروايات الرسمية للتاريخ. شخصياته ليست كائنات ورقية، بل أرواح تمشي بيننا، تحمل وجوه الحضارات القديمة، وأحلام الشعوب المنسية، وأسئلة الذين عبروا الحياة من دون أن يتركوا وراءهم سوى أثر من الضوء. أما كتابه «أناشيد لإفريقيا وللقارات التي لا تخاف»، فإنه ليس نصا عن إفريقيا بقدر ما هو نصّ صادر عنها؛ كأن القارة السمراء قررت، بعد قرون من سوء الفهم وسوء التمثيل، أن تتكلم أخيرا بصوتها، لا بصوت من كتبوا عنها من وراء البحار. إفريقيا عند مصطفى كبير عمي ليست الجغرافيا التي تدرَّس في المدارس، ولا الصورة البائسة التي استهلكتها الشاشات. إنها قارة الروح. مهد الحكاية الأولى. الذاكرة التي لم تستطع الإمبراطوريات محوها، ولا الاستعمار اقتلاع جذورها. إنها الأرض التي ما تزال تنبت المعنى في زمن التصحر الأخلاقي، وتعلّم العالم أن القوة الحقيقية ليست في الهيمنة، بل في القدرة على النهوض بعد كل سقوط.

ومن هنا جاء عنوان الكتاب أشبه ببيان إنساني كبير. فالقارات التي لا تخاف ليست تلك التي تملك ترسانات السلاح، وإنما تلك التي تمتلك شجاعة الدفاع عن الإنسان، وعن الكرامة، وعن الحلم، وعن حق الشعوب في أن تكتب تاريخها بأيديها، لا بأقلام الآخرين. لقد بدا الحوار الذي دار خلال الأمسية امتدادا طبيعيا لهذا المشروع الفكري. كان مصطفى كبير عمي يتحدث بهدوء الحكماء، لكنه يزرع في كل إجابة سؤالا جديدا. وكان يصغي كما لو أن الإصغاء نفسه فعل من أفعال الكتابة. وهي خصلة لا يمتلكها إلا الكبار؛ أولئك الذين يدركون أن الكاتب الحقيقي لا يعلو فوق قارئه، بل يشاركه دهشة البحث عن المعنى.

ولعل أجمل ما في هذه الأمسية أنها أعادت الاعتبار إلى وظيفة الثقافة في زمن تتناقص فيه المساحات المخصصة للفكر. لقد أكد بيت المغرب مرة أخرى أنه ليس مجرد مؤسسة جامعية، بل فضاء لصناعة المعنى، ومنارة تحفظ للثقافة المغربية مكانتها داخل المشهد الثقافي الأوروبي، وتواصل أداء رسالتها في جعل الحوار بين الحضارات ممارسة يومية، لا شعارا احتفاليا. وفي عالم يزداد انقساما، تبدو مثل هذه اللقاءات أشبه بجزر مضيئة وسط بحر من العتمة. إنها تذكرنا بأن الأدب لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يغيّر الإنسان الذي سيغيّر العالم. وأن كتابا عظيما قد يكون، في زمن الخراب، أكثر تأثيرا من خطاب سياسي، لأن السياسة تغيّر الوقائع، بينما الأدب يغيّر الوعي.

حين انتهت الأمسية، لم يكن الحاضرون يغادرون قاعة في باريس، بل كانوا يخرجون من رحلة طويلة داخل قارة اسمها الإنسان. حمل بعضهم نسخة موقعة من الكتاب، لكن الجميع حملوا شيئا آخر لا يوقَّع ولا يهدى: ذلك الشعور النادر بأن الأدب، حين يكتبه كاتب من طراز مصطفى كبير عمي، لا يعود فناً للمتعة وحدها، بل يصبح شكلا من أشكال النجاة. وهكذا، لم يكن مصطفى كبير عمي في ذاك المساء يقدم كتابا جديدا، بل كان يذكّرنا بالحقيقة التي يحاول العالم أن ينساها كل يوم: أن الحضارات لا تبنى بالحجارة، وإنما بالكلمات. وأن الأمم التي تنجب كتّابا كبارا، قادرة دائما على أن تؤجل هزيمتها، لأن الأدب هو الذاكرة التي لا تموت، والضمير الذي لا يقبل المنفى. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، يبقى صوت الكاتب الحقيقي نادرا، لأنه لا يعلو بالصراخ، بل بعمق الصدى. ومصطفى كبير عمي واحد من أولئك الذين لا يكتبون ليملأوا رفوف المكتبات، بل ليضيفوا إلى الضمير الإنساني صفحة جديدة من كتابه الذي لم يكتمل بعد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “دار المغرب تحتفي بالكاتب مصطفى كبير عمي… حين تنحني القارات أمام سلطة الكلمة

  1. من مميزات كتابة البطء، هي انها كتابة عصيان ضد جميع الصور التي تنتهي بسؤال الوجود الى النسيان، وبالكاءن البشري الى انسان بدون ملامح. خاصة وأن الزمن الراهن زمن سيادة التفاهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *