لاعبو كأس العالم في بلد الوجبات السريعة؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كأس العالم لا تتواجه المنتخبات وحدها؛ تتواجه أيضا المطابخ. قد يبدو هذا القول طرفة في البداية، لكنه يصبح حقيقةً عندما ندرك أن الهدف الأول لا يولد في القدم، بل في المعدة. فالركلة الأخيرة ليست سوى الترجمة الميكانيكية للملعقة الأولى. وفي بوسطن، المدينة التي تقف بين تاريخ أكاديمي عريق وإغراءات رأسمالية لا تنام، يقيم المنتخب الفرنسي داخل فندق فاخر، بينما تتربص به، خارج الأبواب، جحافل البرغر، وجيوش الدونات، وأبراج البطاطا المقلية، كأنها صفارات السيرينات التي أغوت أوليس، لكنها هذه المرة تغني بلغة الدهون المشبعة.

ومن الطريف أن اللاعب الذي يستطيع مراوغة ثلاثة مدافعين قد يعجز أحيانا عن مراوغة رائحة البطاطا الساخنة. لكن الفرنسيين يعرفون أن كأس العالم ليست بطولة في الشهية، بل في الانضباط. لقد نقلت التقارير أن الطاهي الفرنسي المقيم مع المنتخب لا يقل أهمية عن محلل الفيديو أو مدرب اللياقة. ولعل هذا أجمل تعريف لكرة القدم الحديثة: إنها علم يبدأ من المطبخ قبل أن ينتهي في منطقة الجزاء. لم يعد اللاعب يصنعه الملعب وحده. تصنعه الميكروبات النافعة في أمعائه. تصنعه ساعات النوم. وتصنعه تلك السلطة الخضراء التي يسخر منها الجمهور، قبل أن يصفق للهدف الذي خرج منها بطريقة غير مباشرة.

كان الإغريق يعتقدون أن الفضيلة هي الاعتدال. ولم يكن فيثاغورس يرى الطعام مجرد وقود، بل هندسة للروح. أما أبقراط، الذي سبق أطباء الرياضة بألفي عام، فقال عبارته التي لا تزال تتردد في كل مختبر تغذية: “ليكن غذاؤك دواءك.” ثم جاء العرب، فلم ينظروا إلى الجسد بوصفه قفصا للروح، بل بوصفه شريكها في العمر. كتب ابن سينا عن توازن الأمزجة، وربط بين الغذاء والمزاج والذكاء. أما الرازي فكان يعتقد أن كثيرًا من الأمراض يبدأ من المائدة قبل أن يصل إلى الصيدلية. وفي التراث العربي، لا تكاد تخلو حكمة من الدعوة إلى الاقتصاد في الأكل، حتى إن المقولة النبوية الشهيرة عن تقسيم المعدة بين الطعام والشراب والنفس تبدو اليوم أقرب إلى أحدث توصيات اختصاصيي التغذية منها إلى موعظة قديمة. كأن الحكمة القديمة كانت تعرف ما ستكتشفه المختبرات بعد ألف عام.

غير أن السخرية الكبرى تكمن في شيء آخر. كلما ذكرت الولايات المتحدة، رفع العالم إصبع الاتهام نحو البرغر. وكأن أمريكا ليست سوى مطعم ضخم. وهذا ظلم لا يقل فداحة عن اختزال فرنسا في الكرواسون، أو اليابان في السوشي. نعم، أمريكا أنجبت صناعة غذائية جعلت السكر أشبه بعقيدة، والملح مواطنا دائما في كل طبق، وحولت الوجبة إلى سباق مع الزمن. لكنها أيضا أنجبت أعظم جامعات التغذية، وأهم مختبرات علوم الرياضة، وأكثر برامج الأداء البدني تطورا. المفارقة أن البلد الذي صدّر للعالم الوجبة السريعة، هو نفسه الذي صدّر إليه علوم التغذية الرياضية. إنها أمريكا ذاتها التي تستطيع أن تمنحنا أكبر شطيرة في العالم، وأدق تحليل لنسبة الماء داخل خلايا عضلاتنا. الخطأ ليس في الجغرافيا. الخطأ في الاختيار.

لاعب كرة القدم يعيش داخل مفارقة وجودية. إنه رجل يركض تسعين دقيقة لكي يربح دقائق قليلة من المجد. ولذلك فهو يأكل بعقل الرياضي لا بشهوة الإنسان. كل لقمة لديه مشروع تمريرة. كل قطرة ماء استثمار في الدقيقة الثمانين. كل ثمرة توت قد تتحول إلى انطلاقة في الوقت بدل الضائع. بينما نحن نأكل لأن الساعة تشير إلى الواحدة ظهرا، يأكل هو لأن الميتوكوندريا تحتاج إلى رسالة كيميائية دقيقة. حتى قطعة الشوكولاتة عنده تخضع لاجتماع علمي. ولعل أجمل ما في قصة المنتخب الفرنسي ليس أنهم قاوموا البرغر. بل أنهم أثبتوا أن الحرية لا تعني الاستسلام. أن تكون في بلد تمطر فيه الإعلانات بالسكر، ثم تختار طبقا متوازنا، فذلك انتصار ثقافي قبل أن يكون انتصارا غذائيا. فالرياضة ليست معركة عضلات. إنها معركة قرارات صغيرة. الهدف العظيم يبدأ غالبًا بقرار متواضع: أن تقول “لا” لوجبة لا يحتاجها جسدك.

لا يرفع كأس العالم الفريق الذي يملك أفضل مهاجم فقط. بل الفريق الذي يفهم أن المعدة ليست غرفة منفصلة عن القدم. إنها غرفة الملابس الأولى. وأن الطاهي، في زمن كرة القدم الحديثة، قد يصنع بطولة كاملة دون أن يلمس الكرة مرة واحدة. ربما لهذا السبب تبدو كرة القدم، كلما تقدمت العلوم، أقل شبها بالرياضة، وأكثر شبها بالفلسفة. فالفيلسوف يسأل: كيف ينبغي أن نحيا؟ أما الرياضي فيجيب، بصحن سلطة قبل المباراة: هكذا.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “لاعبو كأس العالم في بلد الوجبات السريعة؟

  1. تتواجه الشعوب الرمز كذلك. لكن ماذا عن الطحين المغربي بفروج بلدي؟
    ربما ستظهر الصورة بعد غد: إما ثقافة الطاجين أو البغر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *