حين يخسر الكبار مباراة… ويربحون التاريخ

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست كل الهزائم انكسارا، كما ليست كل الانتصارات مجدا. فهناك أمم ترفعها لحظة السقوط أكثر مما ترفعها لحظة التتويج، لأنّ التاريخ لا يكتب عدد الكؤوس فحسب، بل يكتب أيضا كيف وقفت الشعوب حين انحنت الريح، وكيف حافظت على هيبتها حين انطفأت الأضواء. هكذا خرج المغرب من كأس العالم. خرج من المنافسة… لكنّه لم يخرج من القلوب. خرج من البطولة… لكنه دخل التاريخ من باب لا تغلقه صافرة حكم، ولا تمحوه نتيجة مباراة.

لقد انتصرت فرنسا فوق المستطيل الأخضر، فهنيئا لها. لقد كانت الأفضل في تلك الأمسية، وكرة القدم، في عدالتها الجميلة، لا تمنح الغار إلا لمن يستحقه. ولذلك، فإن تهنئة المنتخب الفرنسي ليست مجاملة، بل تعبير عن ثقافة أمة تعلمت أن قوة المنافس لا تنتقص من قيمتها، وأن الاعتراف بالاستحقاق ليس تنازلا، بل أحد أرقى وجوه الحضارة.

لكن، في الضفة الأخرى من المشهد، وقف المغرب شامخا، كجبل لا تهزه خسارة عابرة، لأن الأوطان العريقة لا تقاس بنتيجة مباراة، وإنما بما تزرعه في وجدان العالم من احترام، وما تبنيه في نفوس أبنائه من يقين. لقد انتهت تسعون دقيقة… أما المشروع المغربي، فما زال في الدقيقة الأولى من المستقبل. من كان يظن، قبل أعوام قليلة، أن راية المغرب ستصبح علما يلتف حوله الملايين في القارات الخمس؟ ومن كان يتصور أن اسم المملكة سيذكر بين كبار كرة القدم العالمية لا بوصفه مفاجأة، بل بوصفه مدرسة صاعدة، ومشروعا متكاملا، ورؤية تبنى بالحكمة والصبر والاستثمار؟

إن ما صنعه أسود الأطلس لم يكن رحلة كرة، بل رحلة وطن. وما حملوه على أكتافهم لم يكن قميصا أحمر فحسب، بل ذاكرة شعب، وكبرياء أمة، وإرث دولة تمتد جذورها عميقا في التاريخ، بينما تمتد أغصانها نحو المستقبل. غير أن أجمل ما كتب في هذه الليلة، لم يكن على لوحة النتائج. بل كتب في شوارع العالم. في باريس…وفي ليون…وفي بروكسيل…وفي أمستردام…وفي مونتريال…وفي نيويورك…حيث خرج المغاربة كما يخرج الياسمين بعد المطر، يرفعون أعلامهم بمحبة، ويطوونها بكرامة، دون أن يكسروا نافذة، أو يحرقوا سيارة، أو يحولوا الحزن إلى غضب أعمى.

لقد خسر المنتخب…لكن المغاربة ربحوا احترام العالم مرة أخرى. وذلك انتصار لا تمنحه الفيفا، ولا تضعه أي بطولة في خزائنها. إنها تربية وطن. بل هي، في نظر كثيرين، ثمرة مدرسة ملكية رسخت، عبر أجيال، قيم الاعتدال، واحترام القانون، والعيش المشترك، والانتماء المسؤول. فالوطنية في الوجدان المغربي لا تقاس بعلو الصوت، بل بسمو السلوك، ولا بعدد الهتافات، بل بقدرة المواطن على أن يكون خير سفير لبلده حيثما حلّ.

ولهذا لم يكن مغاربة العالم مجرد مشجعين لفريقهم الوطني. كانوا سفراء لوطن. يحملون معهم صورة المغرب قبل أن يحملوا علمه. ويحملون قيمه قبل أن يحملوا ألوانه. ولم تكن فرنسا، بالنسبة إليهم، أرض خصومة، بل وطنا ثانيا لكثير منهم، وبلدا تربطهم به روابط إنسانية وثقافية وتاريخية عميقة. ولذلك، لم يكن احترامهم للمنتخب الفرنسي سوى امتداد لاحترامهم للبلد الذي يعيش فيه ملايين المغاربة ويسهمون في نهضته، كما يسهمون في إشعاع وطنهم الأم.

هكذا يكون الكبار. يصنعون من الرياضة جسرا…لا خندقا. ومن المنافسة لقاء…لا قطيعة. ومن الاختلاف احتفالا…لا خصومة. إن المغرب لا يحتاج إلى أن ينتصر في كل مباراة ليبرهن على عظمته. فالدول العريقة لا تستمد قيمتها من تسعين دقيقة، بل من قرون من البناء، ومن مؤسسات تعرف كيف تحول كل تجربة إلى درس، وكل هزيمة إلى وقود، وكل عثرة إلى خطوة جديدة. سيبقى الأحمر لون القلب الذي لا يخون. وسيظل الأخضر لون الجذور التي لا تجف. أما زرقة السماء، فستظل السقف الذي يرفع إليه المغاربة أبصارهم كلما تعثر حلم، لأنهم تعلموا أن السماء لا تعطي نجومها لمن يتوقف عند أول غيمة.

– إلى أسود الأطلس…شكرا. شكرا لأنّكم لم تمثلوا أحد عشر لاعبا، بل مثّلتم تاريخا يرفض الانكسار، وراية تعود كل مرة أكثر إشراقا، وشعبا يعرف أنّ المجد لا يورث، بل يصنع بالصبر والعمل والإيمان.

– وإلى المنتخب الفرنسي… كل التهاني على تأهل مستحق، مع الأمنيات بمواصلة التألق. فالرياضة، حين تسمو على الانفعال، تصبح لغة عالمية تقرب الشعوب، وتذكرنا بأن التنافس الشريف لا يناقض الصداقة، بل يعمقها.

أمّا المغرب…فسيمضي كما مضى دائما. لا يلتفت كثيرا إلى صراخ العابرين، لأن الأشجار التي تضرب جذورها في أعماق الأرض لا ترتعب من عاصفة موسمية، ولأن الأنهار الكبرى لا تعود إلى منابعها كلما اعترضها حجر. لقد انتهت مباراة…لكن قصة المغرب لم تكن يوما قصة مباراة. إنّها قصة وطن يتقن فن النهوض، ويكتب تاريخه بالحكمة قبل القوة، وبالإنسان قبل الحجر، وبالأمل قبل العواء. فالأمم الكبرى قد تغادر بطولة… لكنها لا تغادر التاريخ.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حين يخسر الكبار مباراة… ويربحون التاريخ

  1. كثير من يظن أنها لعبة وانتهت وفق محكمة المنطق، والحال أنها حدث أظهر فيه كل فريق بأنه لا يلعب لنفسه، بل يمثل كفاءة أمة في صنع لحظات من الفرحة والإمتاع بقيمة التسامح والصحافة. لذا لم تكن مجرد لعبة بين فريقين، بل بين شعبين يكن كل واحد منهما للآخر الاحترام والتقدير. لعبة جمعت بين أسماء من أبناء الجالية وأخرى من البلد الأم، وجميعهم في انسجام وتكامل الطاقات والمواهب، عبروا عن حبهم لبلد مسقط رأس. أبناء الجالية أثبتوا كفاءتهم في هذه اللعبة ولبوا نداء الوطن، خاصة وأن جلهم يعرفهم لاعبي باقي الفرق الأوروبية. والتعبير عن أناقة اللقاء ونهايته، هو تبادل التحايا والعناق بين اللاعبين، مغاربة وفرنسيين. مستوى عال في التعبير بكل احترام ، عن التعاطف والتسامح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *