بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
ولدت هذه الكلمات بعد قراءة الحوار الذي أجراه الدكتور عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، والمنشور بموقع «أحداث أنفو». ولم أكتبها لأجادل الرجل، ولا لأخاصم رؤيته، فالرؤى الجميلة لا تخاصَم؛ وإنّما كتبتها لأنّ بعض النصوص، حين تفيض جمالا، توقظ في القلب أسئلة أكثر مما تمنحه من أجوبة. وحين يعلو سقف الحلم، يصبح من حق الواقع أن يتكلم أيضا… لا بلسان الأرقام، بل بلسان الآباء الذين يحملون أوطانهم في حقائب السفر، ويعودون كل عام وهم يخشون أن يكون شيء من الوطن قد سقط منها في الطريق.
نعم…هناك نصوص تصفِّق لها العقول، لأنّها جميلة. وهناك نصوص تقلق الضمير، لأنّها صادقة. وحوار الدكتور عبد الله بوصوف من الصنف الأول؛ لغة أنيقة، ورؤية تلامس ما نحلم به جميعا: جيل ثالث ورابع لا ينسى المغرب، ولا ينسلخ عن هويته، ولا يذوب في غربة بلا ذاكرة. لكنّ السؤال الذي لا يستطيع أيّ أب أو أمّ في المهجر أن يؤجله هو: من يحول هذه الكلمات إلى حياة؟ لسنا مختلفين حول التشخيص، بل حول الغياب. غياب التطبيق. غياب المرافقة. غياب المؤسسة. وغياب اليد التي تمتد إلى الأسرة قبل أن تمتدّ إليها خطب مخصصة للصّحف . نتحدث اليوم عن مشروع تربوي وثقافي، وعن بناء الهوية، وعن الاستثمار في الأجيال الجديدة… ولكن أين يبدأ هذا المشروع؟ هل يبدأ عندما يصل الطفل إلى طنجة أو الناظور أو الدار البيضاء أسبوعين في الصيف؟ أم يبدأ حيث تتشكل شخصيته، في بروكسيل، وأمستردام، وباريس، ومونتريال، ومدريد، وروتردام؟
الحقيقة التي لا نريد أن نعترف بها هي أنّ معركة الهوية لا تخاض في المغرب، بل تخاض أوّلا في الخارج. هناك، حيث يفتح الطفل عينيه على مدرسة أجنبية، ويتحدّث بلغة غير العربية، ويعيش داخل منظومة ثقافية أخرى، ويتلقى كل يوم مئات الرسائل من العالم الرقمي.هناك يجب أن تكون الدّولة. هناك يجب أن تبدأ التربية. هناك يجب أن تكون اللغة. وهناك يجب أن تكون الثقافة المغربية حاضرة، لا أن تنتظر عطلة الصيف حتى تقدم نفسها للطّفل وكأنّها ضيف موسمي. لقد أوصى صاحب الجلالة مرارا بالعناية بالمغاربة المقيمين بالخارج، وجعلهم في قلب المشروع الوطني، ودعا إلى إحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج لتكون إطارا جديدا، أكثر نجاعة، وأكثر قربا، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات التي تعرفها الجالية.
إنّ المؤسسات بالأثر الذي تتركه في حياة المواطن. وإذا كان آلاف الآباء لا يشعرون بوجودها أصلا، فالمشكلة ليست في الآباء. نتحدث عن تعليم العربية والأمازيغية…ولكن من يعلّم؟ وأين؟ وبأيّ مناهج؟ وبأيّ تكوين؟ وبأيّ رؤية تناسب طفلا ولد في أوروبا، ويحلم بلغة أوروبا، ويفكر بعقل تشكل في مدارس أوروبا؟ لا يكفي أن نرسل إليه كتابا قديما، أو نكلف جمعية صغيرة بما يفترض أن يكون مشروعا مؤسسيا. ولا يكفي أن نلقي المسؤولية على الأسرة. فالأسرة تقوم اليوم بما يفوق طاقتها. هي التي تترجم. وهي التي تشرح. وهي التي تدافع عن الهوية. وهي التي تموّل السفر. وهي التي تحمل الأبناء آلاف الكيلومترات كلّ صيف. ثم نعود لنقول لها: حافظي على الهوية. وكأنّ المؤسسات قد أدّت دورها كاملا إلى جانب الأسرة. ثم ماذا عن رحلة العودة إلى الوطن نفسها؟
كلّ سنة تتكرر التوجيهات الملكيّة السّامية بضرورة احتضان أفراد الجالية، وصيانة كرامتهم، والعناية بأوضاعهم. ونحن آذان صاغية لأبينا الروحي وحامينا. فكم من أسرة تستدين لتؤمّن ثمن السفر… وكم من أب يحسب تكلفة الطريق قبل أن يحسب أيّام العطلة… وكم من أمّ تؤجل الزيارة عاما آخر لأنّ القدرة الشرائية لم تعد تحتمل دون أن تنسى دفء الوطن. ولكن من يلتفت إلى هذه المعاناة؟ ومن يفكر في الأسرة محدودة الدخل التي تريد أن يظلّ أبناؤها مغاربة، فتجد نفسها أمام فاتورة سفر، ورسوم، ومصاريف، تجعل الحفاظ على الهوية عبئا اقتصاديا أيضا؟
بل دعوني, قرائي الأعزاء, أمضي أبعد قليلا، إلى حيث تبدأ الثقة… أو تتصدع. منذ سنوات ونحن نكتب عن الهوية، وعن الأجيال الجديدة، وعن جسور الانتماء، لكنّني أتساءل: كيف يمكن أن نحدّث الناس عن ثقافة الإنصات، بينما أوّل ما يصطدم به بعض أبناء الجالية هو صمت المؤسسات؟
أقول هذا من تجربة عشتها بنفسي. حاولت، كما يفعل أيّ مواطن، أن أتواصل مع مجلس الجالية المغربية بالخارج. طلبت موعدا رسميا، وانتظرت جوابا. ثم راسلت كتابة، وانتظرت أكثر. ولم يصلني ردّ، ولا حتى رسالة اعتذار أو إشعار يفيد بأن مراسلتي وضعت على طاولة الدراسة. قد تكون لهذه الواقعة أسبابها التي أجهلها، لكن أثرها في نفس المواطن لا يتغير. فالمغترب لا يكتب إلى مؤسسة لأنّه يريد أن يثقل عليها، ولا يطلب لقاء مسؤول لأنّه يبحث عن رضا أو امتياز. إنّه يفعل ذلك لأنّه يحمل سؤالا، أو يحتاج إلى توجيه، أو يطلب مساعدة، أو يريد أن يشعر، ولو للحظة، أنّ هناك مؤسسة تعرف أنّ صوته لا يضيع في الفراغ. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. كيف نطالب الآباء بأن يربطوا أبناءهم بالمؤسسات الوطنية، إذا كانوا هم أنفسهم لا يجدون بابا يفتح، ولا رسالة يجاب عنها، ولا حوارا يُستقبلون به؟
إنّ المؤسسة ليست بجمال تقاريرها، ولا بفخامة ندواتها، وإنّما بالمسافة التي تفصل بين المواطن والهاتف الذي يرن فلا يُجاب، أو الرسالة التي تُرسل فلا تجد من يرد عليها. ولذلك، فإن الحديث عن التوجيهات الملكية السامية في العناية بالمغاربة المقيمين بالخارج هو الحديث القوي الذي يبعث فينا كمثقفين وغر مثقفين الأمل.لكن السؤال الذي يطرحه الآباء ليس سؤالا سياسيا، بل سؤال يوميات بسيطة: أين نحن اليوم, السيد عبد الله بوصوف, من المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج في حياة الناس(التي تحدثتم عنها في حواركم), والتي أعلن عنها صاحب الجلالة محمد السادس , نصره الله؟ مؤسسة يمكن أن تكون أفقا جديدا في تدبير العلاقة مع الجالية؟ من يدل الأسرة عليها؟ من يخبر الجالية بخدماتها, ويأخذ بيدها إليها؟ من يطرق بابها فيجد الباب مفتوحا؟ أين حضورها في وعي الأسر؟ أين أثرها في حياتهم اليومية ؟
إنني لا أتحدث عن الوجوه التي اعتادت حضور المؤتمرات والملتقيات، ولا عن الدائرة الضيقة التي تعرف طريقها إلى المنصات الرسمية. أتحدث عن الجالية العميقة؛ عن مئات الآلاف من الأسر التي لا تعرف من المؤسسات إلا أسماءها، ولا يصلها منها إلا ما تنقله وسائل الإعلام. فالهوية, سيدي بوصوف, ليست بيانا صحفيا، ولا قصيدة تلقى في ندوة، ولا صورة تلتقط في نهاية مؤتمر. الهوية طفل يعود من مدرسته ليسأل أباه: لماذا أنا مغربي؟ فإذا عجز الأب عن الجواب، وجب أن يجد إلى جانبه مؤسسة تعينه، لا مؤسسة يغيب صوتها كلّما طرق بابها. لقد أصبح الجميع يعرف التشخيص. لكن الهوية , السيد عبد الله بوصوف, لا تبنى بتكرار التشخيص، بل بالشجاعة في الإصغاء، وبالقدرة على الحوار، وبالاقتراب من الناس قبل مطالبتهم بالاقتراب من الوطن. فمن يخشى الحوار مع الجالية، كيف سيقود مشروعا لبناء وعيها؟ ومن لا يسمع أسئلة الآباء، كيف سيجيب عن أسئلة الأبناء؟ إن الهوية لا تضيع دفعة واحدة، بل تنسحب بهدوء، كلما تأخر الجواب، وكلما أغلقت نافذة للحوار، وكلّما شعر مواطن في أقصى المهجر أن صوته وصل… ثم عاد إليه صدى صمته.
الحديث عن الهوية لا يجوز أن يبقى معلّقا في الهواء. فالهوية مشروع استثمار. والاستثمار يحتاج إلى ميزانية، وإلى مؤسسات، وإلى رجال ونساء ينزلون إلى الميدان، لا إلى مزيد من الندوات. ثم دعونا نكن صرحاء. لسنا بحاجة إلى أن نخبر الجالية بأنّها تحب المغرب. هي تعرف ذلك. وليست بحاجة إلى من يقنع أبناءها بأن للمغرب تاريخا. فهم يأتون كل صيف بحثا عنه. ما تحتاجه الجالية هو من يسير معها الطريق. من يسمعها قبل أن يحدثها. من يذهب إليها بدل أن ينتظر مجيئها. من يجعل الطفل المغربي في الخارج يشعر أن وطنه يعرف اسمه قبل أن يطلب منه ألا ينساه. فالتوعية لا تبدأ في قاعات المؤتمرات. ولا تبدأ في التصريحات الصحفية. ولا تبدأ عند ميناء طنجة المتوسط. التوعية تبدأ من منبت أبناء الجالية… حيث ولدوا، وحيث يتعلمون، وحيث تتشكل شخصياتهم، وحيث تصنع هويتهم يوما بعد يوم. هناك ينبغي أن تكون المؤسسة التي تتكلّف بالجالية. وهناك ينبغي أن تكون المؤسسات. وهناك ينبغي أن يكون المشروع. أما أن نترك الأسرة وحدها تواجه أعقد معركة ثقافية في القرن الحادي والعشرين، ثم نصفّق لها في الصيف، فذلك ليس سياسة عمومية، بل اعتراف غير معلن بأن المؤسسات ما تزال غائبة عن أهم معركة يخوضها المغرب خارج حدوده. إنّ أبناء الجالية ليسوا ملفا موسميا يفتح مع عملية “مرحبا” ويغلق مع نهاية الصيف. إنّهم امتداد الوطن. ومن أراد أن يحفظ امتداد الوطن، فعليه أن يذهب إليه… قبل أن يطالبه بالعودة.
📲 Partager sur WhatsApp
مقال عميق يلامس جوهر القضية، وينتقل من تشخيص المشكلة إلى طرح الأسئلة التي تؤرق كل أسرة مغربية في المهجر. فالحديث عن الهوية لا ينبغي أن يبقى حبيس الندوات والخطابات، بل يجب أن يتحول إلى برامج عملية ومؤسسات قريبة من المواطن، تبدأ من حيث يعيش أبناء الجالية ويتشكل وعيهم، لا فقط عند عودتهم في العطل.
الحفاظ على الهوية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والدولة والمؤسسات، ولا يمكن تحميل الأسرة وحدها هذا العبء. فالاستثمار الحقيقي في مغاربة العالم هو الاستثمار في أبنائهم، بالإنصات إليهم، ومرافقتهم، وتوفير أدوات الانتماء التي تجعلهم مرتبطين بوطنهم أينما كانوا.
كل التقدير لكاتب هذا المقال على جرأته في طرح الأسئلة التي تستحق أن تجد إجابات عملية، لأن قوة الوطن تقاس أيضًا بقدرته على احتضان أبنائه خارج حدوده