تسليم سلطة التحكيم للذكاء الاصطناعي؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

ثمة وهم قديم يقول إن كرة القدم لعبة. ولعل هذا هو أكبر سوء فهم في العصر الحديث. فالملعب لم يكن يوما مجرد مساحة مستطيلة يطارد فيها اثنان وعشرون لاعبا كرة من الجلد. لقد كان دائما نسخة مصغرة من العالم. فيه السلطة، والعدالة، والخطأ، والاحتجاج، والسياسة، والاقتصاد، والإعلام، وحتى الفلسفة. وما يجري داخله ليس مباراة، بل تجربة إنسانية مضغوطة في تسعين دقيقة. ولهذا فإن الثورة القادمة في الملاعب ليست ثورة رياضية، وإنما ثورة حضارية. إن الذكاء الاصطناعي لا يدخل كرة القدم ليحسن التحكيم، بل يدخل ليختبر سؤالا أكبر: هل يستطيع الإنسان أن يسلم السلطة النهائية لكيان لا يخطئ؟ وهذا سؤال لم تستطع الفلسفة حسمه منذ أفلاطون وحتى اليوم.

طوال آلاف السنين، كان الحكم يمثل رمزا بالغ الغرابة. إنه الإنسان الوحيد داخل الملعب الذي لا ينتمي إلى أي فريق، لكنه يؤثر في مصير الجميع. كان يشبه القدر. يراه الجميع، لكن أحدا لا يستطيع التنبؤ بقراره. ولهذا أحبته الجماهير وكرهته في الوقت نفسه، لأن وجوده كان يذكر الإنسان بحقيقة مؤلمة: العدالة دائما ناقصة. أما الذكاء الاصطناعي، فإنه جاء ليقتل هذه الفكرة من جذورها. فهو لا يعد الناس بحكم أفضل. بل يعدهم بعالم لا يحتاج إلى الثقة في البشر أصلا. هذه هي الثورة الحقيقية. ففي المستقبل، لن يكون الحكم هو من يصدر القرار. بل سيكون آخر من يسمعه. ستولد الأحكام داخل شبكة عصبية رقمية تنتشر في الكاميرات، والمجسات، والأقمار الصناعية، والساعات الذكية، وحتى داخل الكرة نفسها. القرار لن يسافر من عين الحكم إلى الصفارة. بل من مليارات العمليات الحسابية إلى أذن الحكم. وسيصبح الإنسان مجرد مترجم لإرادة الآلة.

لكن الأعجب أن الملاعب ستكون أول مكان يقبل فيه البشر بهذا التحول طوعا. لن يبدأ حكم الذكاء الاصطناعي في البرلمانات. ولا في المحاكم. ولا في الجيوش. سيبدأ في ركلة جزاء. لأن البشر مستعدون للتنازل عن جزء من سلطتهم إذا كان الثمن هو العدالة. وهنا تكمن المفارقة. كرة القدم قد تصبح المختبر الذي يتعلم فيه العالم كيف يعيش تحت سلطة الذكاء الاصطناعي. وسرعان ما سيغادر هذا النموذج حدود الرياضة. إذا وثق الناس في آلة تحسم نهائي كأس العالم، فلماذا لا يثقون بها في إدارة إشارات المرور؟ ولماذا لا تفصل في النزاعات التجارية؟ ولماذا لا تقيم أداء الموظفين؟ ولماذا لا تحدد الضرائب؟ وهكذا، قد لا يكون الـVAR سوى النسخة البدائية لأول قاض رقمي في التاريخ.

لكن التاريخ يسخر دائما من أوهام الكمال. فالآلة تستطيع أن تعرف أين لامست الكرة اليد. لكنها لا تعرف لماذا امتدت اليد. وتستطيع أن تحسب زاوية الاحتكاك. لكنها لا تستطيع أن تحسب النية. وهنا تظهر الحدود الفاصلة بين الذكاء والحكمة. فالحكمة ليست جمعا للبيانات. إنها القدرة على فهم الإنسان. وهذا شيء لم تتعلمه الخوارزميات بعد. وربما لهذا السبب لن يختفي الحكم. بل سيتحول إلى فيلسوف. لن تكون مهمته البحث عن الحقيقة. فالآلة ستفعل ذلك. بل البحث عن العدالة. وهناك فرق هائل بينهما. فالحقيقة تقول ماذا حدث. أما العدالة فتسأل: ماذا ينبغي أن يعني ما حدث؟ ومع مرور الزمن، لن تتغير الملاعب فقط. بل سيتغير اللاعب نفسه. لن يتدرب على الجري وحده. بل على قراءة البيانات. وسيتحول المدرب من صانع خطط إلى مفسر لخوارزميات. وسيصبح النادي الناجح ليس من يملك أفضل المهاجمين، بل من يملك أفضل علماء البيانات. وسيصبح الكمبيوتر أهم صفقة انتقال في سوق الرياضة.

وفي يوم ما، قد تجلس جماهير العالم أمام نهائي كأس العالم، بينما لا يتجادل أحد حول التسلل أو ركلة الجزاء. لن يكون هناك غضب. ولا مؤامرات. ولا جدل. وسيبدو كل شيء مثاليا. لكن السؤال الذي سيطارد البشر عندها سيكون أكثر قسوة من كل أخطاء الحكام عبر التاريخ: إذا اختفى الخطأ… هل ستبقى اللعبة إنسانية؟ ربما كانت كرة القدم طوال قرن ونصف لا تعلمنا كيف نفوز. بل كيف نتعايش مع ظلم الحياة. أما إذا نجح الذكاء الاصطناعي في إزالة كل ظلم من الملاعب، فإنه سيكون قد فتح بابا لم يسبق للبشرية أن فتحته. لن يكون السؤال بعد ذلك عن مستقبل الرياضة. بل عن مستقبل الإنسان نفسه. لأن أول حضارة تسلم قرارها النهائي إلى الخوارزمية…لن تكون قد اخترعت تقنية جديدة. بل ستكون قد أعادت تعريف معنى الإرادة البشرية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *