سعيد المشراوي… الطبيب الذي كان يؤجل غروب الشمس

بقلم سمية عبد العزيز, كاتبة وفنانة-المغرب

هناك رجال لا يرحلون حين تتوقف قلوبهم، بل حين تتوقف الذاكرة عن اختراع الطرق المؤدية إليهم. وسعيد المشراوي لم يكن من أولئك الذين يسكنون العمر، بل من أولئك الذين يسكن العمر فيهم. كان يمشي بين الناس كما تمشي الأشجار العتيقة بين الفصول، لا تستعجل الربيع ولا تخاف الشتاء، لأنّها تعرف أنّ جذورها أعمق من الفصول جميعا. حين ولد في كولومب بشار سنة 1956، لم يكن أحد يدري أنّ الصحراء قد أنجبت للمرة الأولى طبيبا يحمل في صدره أكثر من قلب واحد. كان يحمل قلب الطفل الذي لم يغادر دهشته، وقلب الحكيم الذي يرى ما لا تراه العيون، وقلب المسافر الذي كلّما وصل إلى مدينة اكتشف أن الطريق الحقيقية لا تزال تنتظره في مكان آخر.

كانت المدن بالنسبة إليه لا تشبه الخرائط. الرباط لم تكن مدينة، بل كتابا مفتوحا على مستقبل لم يكتمل بعد. والدار البيضاء كانت غرفة عمليّات كبرى يخضع فيها الحلم لتخدير الواقع. وغرونوبل لم تكن محطّة للتخصص في طب الأنف والأذن والحنجرة، بل كانت جبلا يتعلم فوقه كيف يصغي إلى الثلج وهو يتحدث لغة الصمت. أمّا آنسي، فقد كانت مرآة ماء رأى فيها وجه الطبيب الذي سيصبحه، قبل أن يراه الناس. كان يعالج المرضى، لكن الحقيقة أنّه كان يعالج الزمن. كلّ مريض يدخل عيّادته كان يخرج وقد استعاد شيئا سرقه التعب من روحه. لم يكن يصف الدواء وحده، بل كان يصف الطّمأنينة. وكانت كلماته تمشي في الجسد قبل أن تمشي العقاقير في الدّم.

كان الأطباء يعرفون تشخيص الأمراض، أمّا سعيد المشاوي فكان يعرف تشخيص الخوف. كان يرى القلق مختبئا خلف ابتسامة المريض، فيحادثه كما لو أنّه يعرفه منذ طفولته. ولهذا لم يكن الناس يزورون عيادته فقط، بل كانوا يزورون إنسانا يملك قدرة نادرة على أن يجعل الألم يشعر بالخجل من نفسه. ولم يكن الطب عنده مهنة، بل لغة سرية عقد بها صلحا مع الخالق. كل غرفة عمليات كانت بالنسبة إليه محرابا صغيرا، وكلّ سماعة طبيب كانت قنديلا يصغي إلى الموسيقى الخفية التي تعزفها الحياة داخل الأجساد.

وكانت الإنسانيّة عنده أوسع من الجغرافيا. لم يكن يحمل المغرب في جواز سفره، بل كان يحمله في نبضه. كلّما عبر البحر إلى فرنسا، كانت فجيج تعبر معه. وكانت يوسفية تسير خلفه مثل ظل لا يتعب. وكانت مراكش تفتح له أبوابها كما تفتح الأمّ ذراعيها لابن عاد من سفر طويل. وحين حلم بمدينة صحية في مراكش، لم يكن يبني مستشفى، بل كان يحاول أن يبني وطنا لا يمرض. كان يريد أن تصبح الجدران أجهزة تنفّس، وأن تتحول النوافذ إلى رئات يدخل منها الضوء ليشفي القلوب قبل الأجساد. كان يرى المباني كما يرى الشعراء القصائد؛ كائنات حية تنتظر من يمنحها روحا.

لكنّ الأحلام الكبيرة كثيرا ما تعبر حقول الأشواك. جاءت الأيادي التي لا تعرف إلاّ الحساب، فحاولت أن تقنع الحلم بأنّه مستحيل. غير أنّ الأحلام لا تموت حين تنهزم، بل تتحول إلى بذور تختبئ تحت التراب حتّى يأتي زمن أكثر عدلا. ولذلك عاد إلى الناس. فتح أبواب عيادته للفقراء كما تفتح السماء أبواب المطر. كان يوم الجمعة عنده عيدا صغيرا للفقراء، يدخلون إليه مثقلين بالوجع ويغادرون وقد خف عنهم ثقل العالم. ولم يكن رئيسا لهيئة الأطباء في مراكش لأنّه أحب المناصب، بل لأنّ المناصب كانت تبحث عمن يعيد إليها معناها. كان يعرف أنّ السلطة التي لا تخدم الناس ليست سوى كرسي يجلس عليه الفراغ.

أمّا أصدقاؤه، فكانوا يقولون إنه موسوعة تمشي على قدمين. لكنه كان في الحقيقة مكتبة لا تنتهي. كلما فتحت فيه صفحة، اكتشفت أن الصفحات السابقة لم تكن سوى مقدمة. وكان يضحك كثيرا، حتى يخيل إليك أنّ الضحك اخترع من أجله. غير أنّ الذين يعرفونه جيدا كانوا يدركون أن كل ضحكة كانت تخفي جرحا مؤجلا، وأن الإنسان الأكثر قدرة على مواساة الآخرين هو غالبا أكثرهم وحدة حين يغلق الباب خلفه. وفي ملاعب الكرة الطائرة، لم يكن يقفز ليضرب الكرة، بل كان يقفز ليقنع الجاذبية بأن الإنسان خلق لكي يتجاوز ثقل الأرض. كان الهواء يعرف اسمه، وكانت الشبكة ترتجف كلما اقترب منها، وكأنها تعلم أن هذا اللاعب لا ينافس خصما، بل ينافس حدود الممكن.

ثم جاء ذلك الصّباح من أغسطس، حين قررت السماء أن تسترد أحد أطبائها المستعارين على الأرض. لم يمت سعيد المشراوي كما يموت الناس. لقد حدث شيء أكثر غرابة. قيل إن ساعة بيته توقفت، لكن الساعات في بيوت الذين أحبهم واصلت السير ببطء، كأن الزمن نفسه دخل في حداد. وقيل إن الأشجار القريبة من مصيفه في بدوزة ظلت أياما تميل نحو البحر، كأنها تبحث عن صوته بين الأمواج. أما البحر، فقد بدا هادئا على غير عادته، وكأنّه تلقى وصية بألاّ يزعج نوم رجل قضى عمره يوقظ الأمل في الآخرين. ومنذ رحيله، صار الذين عرفوه يكتشفون ظاهرة لا تفسير لها. كلّما ذكروا اسمه، شعروا أنّ الغرفة تتسع قليلا.

وكلّما استعادوا إحدى حكاياته، خفت ثقل الحياة عن أكتافهم. وكلّما مروا بمستشفى، ظنّوا أنّ ظله لا يزال يعبر الممرات البيضاء، حاملا ملفا طبّيا في يد، وابتسامة في اليد الأخرى. وربّما لهذا السبب لا تؤرخ حياة الرّجال العظام بتاريخ الميلاد وتاريخ الرحيل. إنّهم يولدون كلّما احتاج العالم إلى مثال. ويرحلون فقط من دفاتر الإحصاء. أمّا في قلوب البشر، فهم يؤجلون موتهم إلى أجل لا يعلمه إلا الله. رحم الله الدكتور سعيد المشراوي. كان طبيبا حين احتاج الناس إلى طبيب. وكان أخا حين عز الإخاء. وكان حلما يمشي على قدمين، ثمّ عاد ذات مساء إلى السماء، تاركا الأرض أكثر فقرا، وأكثر امتنانا، لأنّها عرفت، ولو لزمن قصير، رجلا كانت الإنسانيّة تتّخذ من قلبه عنوانا لها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *