الجغرافيا كقصيدة بين الرباط وواشنطن

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في التاريخ، ليست كل الطرق معابر للإسفلت. بعضها يعبر فوق الجبال. وبعضها يعبر فوق الأودية. أما الطرق الكبرى، فإنها تعبر فوق الزمن نفسه. وحين قرر المغرب أن يحمل أحد أهم مشاريعه الاستراتيجية اسم الرئيس الأميركي دونالد جيه ترامب، لم يكن يعلق لافتة على طريق طويل يمتد من تزنيت إلى الداخلة، بل كان يكتب، بلغته الهادئة التي لا تعرف الضجيج، فصلا جديدا من فصول الديبلوماسية الملكية، تلك الديبلوماسية التي لا تتحدث كثيرا، لكنها حين تتحرك، تترك الجغرافيا نفسها تنطق. هناك دول تبني الطرق لكي تختصر المسافات. وهناك دول تجعل من الطريق لغة سياسية. والمغرب، منذ قرون، لا يكتب رسائله بالحبر وحده، بل يكتبها أحيانا بالموانئ، وأحيانا بالمدن، وأحيانا بالخرائط التي تتحول إلى وثائق سيادية لا تستطيع العواصف أن تمحوها.

ليس من الضروري أن يتفق العالم مع دونالد ترامب في كلّ شيء. بل إنّ الرجل، بما يحمله من شخصية استثنائية وجدلية، يكاد يكون واحدا من أكثر زعماء العصر الحديث إثارة للانقسام. هناك من يراه متمردا على المؤسسة التقليدية في واشنطن. وهناك من يراه صانعا للفوضى. وهناك من يراه رجل صفقات أكثر منه رجل عقائد. لكن السياسة ليست محكمة للأمزجة. إنّها ميزان للمصالح. وفي ميزان المصالح، يبقى أنّ قرار الإدارة الأميركية خلال ولايته الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، كان لحظة فارقة في تاريخ هذا النزاع الطويل، لأنّه نقل النقاش من منطقة الانتظار إلى منطقة إعادة تشكيل المعادلات الدولية. قد يختلف الناس مع ترامب في ملفّات الهجرة، أو الاقتصاد، أو البيئة، أو أسلوبه الصاخب في إدارة السياسة. لكنّ الأمم لا تبني علاقاتها على العواطف. إنها تبنيها على المواقف التي تغير مجرى التاريخ. وهذا واحد منها.

لقد فهمت الديبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، حقيقة نادرا ما تفهمها الدول. أنّ الامتنان ليس ضعفا. بل هو أحد أكثر أشكال القوة رقيا. فالدول الصغيرة تشكر بالكلمات. أمّا الدول الواثقة من نفسها، فإنّها تشكر بالمشروعات التي تبقى بعد أن يرحل أصحاب القرار. ولهذا يبدو الطريق، في معناه العميق، أشبه برسالة حجرية طويلة، تمتد أكثر من ألف كيلومتر، تقول إن المواقف الكبرى لا ينبغي أن تضيع في ضباب الذاكرة. إنها فلسفة مختلفة في إدارة العلاقات الدولية. فالمغرب لا يتعامل مع التحالفات بوصفها تحالفات موسمية، بل بوصفها استثمارا في الزمن.

ولو تأملنا, قرائي الأعزاء, هذا الطريق بعين الجغرافيا فقط، لوجدناه شريانا اقتصاديا. لكن الجغرافيا وحدها لا تفسر كل شيء. فالطرق العظيمة ليست خطوطا مستقيمة. إنها شرايين تضخ السيادة. كل كيلومتر منها يشبه نبضة قلب تمتد من الأطلس إلى الصحراء، وكأن الأرض نفسها استعادت لغتها القديمة، وبدأت تكتب على الرمل قصيدة لا تقرأ بالحروف، بل بالشاحنات، والموانئ، والاستثمارات، والمدن التي تولد على جانبي الطريق. إن الخرائط ليست رسوما جامدة. إنها كائنات حية. تتنفس. وتكبر. وتدافع عن نفسها. والدول التي تفهم الخرائط تعرف أن السيادة لا تثبت بالخطب وحدها، بل بالبناء. فالخرسانة أحيانا تكون أبلغ من البلاغة.

في روايات بورخيس، كانت المتاهة تبتلع الإنسان. أما في الصحراء المغربية، فإن الطريق يبتلع المتاهة نفسها. كلما امتد الإسفلت جنوبا، انكمشت المسافات التي كانت تعيش عليها أوهام الانفصال. فالمدن التي تصلها الطرق لا تعيش في الهامش. إنها تدخل التاريخ الاقتصادي للدولة. وهذا هو السر الذي أدركه المغرب مبكرا. لم يجعل الصحراء ملفا سياسيا فقط. بل جعلها ورشا حضاريا. فالسيادة التي لا ترافقها تنمية تبقى ناقصة. أما حين تصبح المدارس، والمستشفيات، والموانئ، والجامعات، والطرق جزءا من المشهد، فإن الجغرافيا تتحول إلى حجة لا تحتاج إلى مترجم.

وهنا تتجلى عبقرية الديبلوماسية الملكية. إنها لا تصرخ. ولا تدخل في مزادات الشعارات. ولا تستعجل التصفيق. إنها تشبه نخلة تعرف أن الثمر يحتاج إلى مواسم طويلة من الصبر. كم مرة تعرضت القضية الوطنية لعواصف؟ وكم مرة تغيرت الحكومات في عواصم القرار؟ لكن الرباط لم تغير بوصلتها. كانت تتحرك كمن يعرف أن الزمن نفسه قد يصبح حليفا إذا أحسن الإنسان الإصغاء إليه. ولهذا، لم يكن الاعتراف الأميركي حدثا معزولا. بل كان ثمرة مسار طويل، امتزج فيه التاريخ بالاستراتيجية، والدينامية الاقتصادية بالحضور الإفريقي، والانفتاح الدولي بالثبات على الثوابت الوطنية.

إنّ الملك محمد السادس لا يدير السياسة الخارجية بمنطق ردّ الفعل. بل بمنطق هندسة المستقبل. كأنّ الرجل يرسم الخرائط كما يرسم الخطاط العربي حرف الألف. مستقيما. هادئا. لكن كل الحروف الأخرى تستند إليه. ولهذا استطاع المغرب أن يحافظ على علاقات متينة مع واشنطن، وأن يوسع شراكاته مع أوروبا، وأن يعمق حضوره في إفريقيا، وأن يبني جسورا مع الصين، وأن يحافظ على حوار مع قوى لا تجلس دائما إلى الطاولة نفسها. ذلك ليس توازنا عاديا. إنه أشبه برقصة دقيقة فوق خيط مشدود بين قارات العالم. رقصة لا ينجح فيها إلا من يعرف أن الديبلوماسية ليست اختيار الأصدقاء فقط، بل إدارة الاختلاف أيضا.

أمّا ترامب، فقد كتب اسمه في لحظة من لحظات التاريخ المغربي الحديث، لا لأنّه احتاج إلى ذلك، ولا لأنّ المغرب احتاج إلى شخصه، وإنّما لأنّ المواقف الكبرى تصنع ذاكرة متبادلة بين الأمم. الأفراد يرحلون. والإدارات تتغير. لكن بعض القرارات تصبح علامات حجرية في الطريق الطويل للعلاقات الدولية. ومن الحكمة أن تحفظ الدول ذاكرة من وقف معها حين كانت المنعطفات حادة. فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست فقط فن الدفاع عن المصالح. إنها أيضا فن الوفاء للمواقف. ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن الطريق لا يسأل العابرين عن آرائهم السياسية. إنه يحتضن الجميع. مثل الوطن. فالطريق الذي يحمل اسما، يحمل في الحقيقة معنى أكبر من الإسم. إنه يقول إن الجنوب المغربي لم يعد ينتظر التاريخ. بل أصبح يصنعه. وأن الصحراء لم تعد مجرد فضاء جغرافي على أطراف الخريطة. بل أصبحت قلبا جديدا يضخ المستقبل في جسد المملكة.

وحين تنظر إلى هذا الطريق من السماء، يبدو كأنه خيط من نور يخيط أطراف الوطن بإبرة من إرادة. وكأن الأرض، بعد قرون من الصمت، قررت أن تتكلم. لا باللغة التي تعرفها القاعات الديبلوماسية. ولا باللغة التي تستهلكها البيانات الرسمية. بل بلغة لا تخطئها الأمم العاقلة… لغة البناء. ولغة الوفاء. ولغة الدولة التي أدركت أنّ السيادة ليست شعارا يرفع في المناسبات، وإنما طريق طويل يبنى حجرا بعد حجر، حتى يصبح الإسفلت نفسه وثيقة سياسية، وتصبح الجغرافيا قصيدة، ويصبح المستقبل أقوى من كل الخرائط التي حاولت يوما أن تعيد رسمه.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الجغرافيا كقصيدة بين الرباط وواشنطن

  1. في الحقيقة أنجزت تلك الطريق بقوة الدولة حاملة القلم، قبل أن يتم إنجازها بالزفت: لما تكلمت حقيقة الوجود لصالح حق المغرب في ربط شمال أرضه، پاراضيه الممتدة جنوبا جهة الداخلة والعيون والسمارة وغيرها، في أروقة الأمم المتحدة، تكلمت الطبوغرافيا راسمة الممر المترجم لذلك القرار على الأرض، طريقا سريعا لجمع عائلات الشعب الواحد الذي فرقه الاستعمار.
    بعد هذا القرار الشجاع الذي جاء على يد هذا الرجل ، وما تبعه من مواقف دولية تخدم حق المغرب على أرضه، كان لابد من رد الجميل،لهذا الرجل د.ترامب، بكيفية شعرية: إسم يكتب على ممر يترجم ربط شمال المغرب بجنوبه. الطريق السيار دونالد ترامب.
    والجميل في الأمر هو ما ورد في كلمة هذا الرجل بصدد حدث تخليد إسمه على أهم إنجاز ساهم فيه بكل قوة ليكتب التاريخ على أرض غرب إفريقيا وبجوار الأطلسي. قرار فذ مثل هذا، في كل أبعاده التي تشي بكثير من الدلالات، لا يتخذه إلا فكر فذ وحكيم ، فكر ذو أبعاد استراتيجية استشرافية، ستتحلى صوره في خطاب منتظر.، لصاحب الجلالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *