بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
الأزمات الكبرى تلك التي تغير بصمت قواعد اللعبة. فالسياسة، في جوهرها، لا تشبه رقعة الشطرنج كما يقال كثيرا، بل تشبه متاهة. كل باب يفتح على باب، وكل ممر يقود إلى ممر آخر، حتى يظن الداخل أنه يسير نحو المخرج، بينما هو في الحقيقة يعود إلى النقطة التي بدأ منها.وهكذا تبدو العلاقات بين باريس والجزائر اليوم. فالخلاف لم يعد مجرد أرقام تتعلق بالتأشيرات، ولا نزاعا إداريا حول وثائق القنصليات، بل أصبح اختبارا لمعنى الدولة حين تواجه الدولة، ولمعنى السيادة حين تصطدم بالمسؤولية، ولمعنى الشراكة حين تصبح الثقة عملة نادرة.
حين خرج السفير الفرنسي في الجزائر متحدثا عن عودة محتملة إلى مستويات سابقة في منح التأشيرات، بدا المشهد كما لو أن نافذة صغيرة فتحت في جدار طويل من الجليد. غير أن قصر الإليزيه أغلق النافذة بسرعة، معلنا أن لا أرقام مقدسة، ولا وعود مجانية، وأن أي انفراج قنصلي يظل رهينة تعاون فعلي في ملف الهجرة غير النظامية وترحيل الموجودين بصفة غير قانونية. في الظاهر، يبدو الأمر خلافا إداريا. لكن في العمق، إنه صراع بين تصورين للدولة. كان هيغل يقول إن التاريخ ليس سلسلة من الأحداث، بل مسار طويل يبحث فيه العقل عن صورته. ولو عاد اليوم لوجد أن الدول أيضا تبحث عن صورتها في مرايا الآخرين.

فرنسا، التي تواجه ضغوطا داخلية متزايدة حول الهجرة والأمن والاندماج، لم تعد تنظر إلى ملف التأشيرات باعتباره امتيازا قنصليا فقط، بل أصبح جزءا من معادلة السيادة الداخلية. ومن هذا المنطلق، يصبح التعاون في استعادة الموجودين في وضعية غير قانونية شرطا سياسيا قبل أن يكون إجراء إداريا. أما الجزائر، فتتعامل مع الملف بوصفه ورقة سيادية ورمزية، حيث تختلط اعتبارات الداخل بحسابات الذاكرة الاستعمارية، ويصبح كل تفاوض محاطا بثقل التاريخ أكثر مما تحكمه ضرورات المستقبل. وهكذا يقف البلدان أمام مرآتين. كل واحد يرى صورته. ولا يرى صورة الآخر.
كان ماركيز يكتب عن مدن يعيش سكانها داخل دوائر من الزمن تعيد نفسها حتى يظن الناس أن القدر هو الذي يكتب حياتهم. وهناك دول تقع في الفخ نفسه. تكرر الخطاب ذاته. وتستدعي الخصومات ذاتها. وتنتظر نتائج مختلفة. لكن التاريخ لا يكافئ من يسكن الماضي، بل من يحسن التفاوض مع المستقبل. ولهذا تبدو المنطقة المغاربية اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فالعالم يتغير بسرعة هائلة. والتحالفات يعاد تشكيلها. والاقتصاد أصبح لغة السياسة الجديدة. ومن يظل أسير معارك الأمس، قد يستيقظ ليجد أن خرائط الغد رسمت من دونه. التأشيرة في ظاهرها ورقة صغيرة. لكنها في حقيقتها مرآة لعلاقة كاملة بين دولتين.وحين تتحول هذه الورقة إلى أداة ضغط متبادل، فإن المشكلة لم تعد في القنصلية، بل في عمق الثقة السياسية. الثقة لا تفرض. ولا تشترى. بل تبنى حجرا فوق حجر، حتى تصبح أقوى من تغير الحكومات وتقلب المزاج السياسي.

لقد علمتنا الدبلوماسية المغربية أن قوة الدولة هي بعدد الجسور التي تنجح في تشييدها. فالمغرب، بقيادة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جعل من الاعتدال قوة، ومن الموثوقية رأسمالا سياسيا، ومن تنويع الشراكات مدرسة في فن التوازن. فتح أبواب التعاون مع إفريقيا، وعزز شراكاته مع أوروبا، ورسخ حضوره في العالم العربي، ومد جسورا مع قوى دولية صاعدة، من دون أن يحول خلافاته إلى عقيدة دائمة. وهذا هو الفارق بين دبلوماسية تصنع المستقبل، ودبلوماسية تستهلك الماضي. يبقى المغرب اليوم أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بأن استقرار المغرب الكبير لن يولد من سجالات التأشيرات، ولا من منطق لي الذراع، بل من شجاعة الاعتراف بأن المستقبل لا يبنى بالقطيعة، وأن احترام الالتزامات الدولية، وحسن الجوار، والتعاون الصادق، هي اللغة الوحيدة التي يفهمها القرن الحادي والعشرون. لا تخلد الأمم لأنها ربحت جولة في نزاع عابر، بل لأنها عرفت كيف تحول الجغرافيا من ساحة تنافس إلى فضاء شراكة. وهكذا، بينما تظل بعض العواصم تدور داخل متاهة المرايا، يواصل المغرب السير بثبات نحو أفق رسمه لنفسه منذ زمن: دولة واثقة من تاريخها، معتزة بسيادتها، منفتحة على العالم، ومؤمنة بأن الحكمة ليست ضعفا، بل أعلى درجات القوة.
📲 Partager sur WhatsApp