بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن–الدنمارك
حين يتحرك الشارع المغربي للتعبير السلمي عن انشغالاته الاجتماعية والاقتصادية، فإن ذلك يعكس حجم الضغوط التي تعيشها فئات واسعة من المواطنين، ويؤكد أن القدرة على التحمل بلغت مستويات تستدعي الإصغاء الجاد والمسؤول. فالمغاربة بطبعهم يفضلون الاستقرار ويحرصون على أمن وطنهم، لكنهم في الوقت نفسه يتطلعون إلى سياسات أكثر نجاعة في مواجهة الغلاء، والحد من الفوارق الاجتماعية، وتعزيز العدالة والإنصاف. إن أحدا لا يرغب في تأجيج التوتر أو المساس باستقرار البلاد، غير أن من حق المواطنين أن يعبروا عن تطلعاتهم المشروعة في إطار الدستور والقانون، وأن يطالبوا بحلول عملية لأزمة أثقلت كاهل الأسر المغربية، وجعلت القلق على المستقبل هاجساً يومياً لدى كثيرين. فاستمرار الأوضاع الاقتصادية الصعبة يفرض على الجميع، مؤسسات وأحزاباً ونخباً، تحمل مسؤولياتهم الوطنية بروح من الجدية والالتزام.
إن المرحلة الراهنة تستوجب إعادة الاعتبار لقيم النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات عبر محاربة الفساد بكل أشكاله، وتفعيل آليات الشفافية، وضمان تكافؤ الفرص، حتى يشعر المواطن بأن القانون يسري على الجميع دون استثناء. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإجراءات ملموسة تعزز دولة الحق والمؤسسات، وتصون المال العام، وترسخ الحكامة الجيدة. وإذا كانت منطقة شمال إفريقيا تعرف تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية متباينة، فإن المغرب يمتلك من المقومات التاريخية والمؤسساتية ما يؤهله لمواصلة مساره الإصلاحي، شريطة أن يتم الإنصات إلى نبض المجتمع، والاستجابة لمطالبه المشروعة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن. فالمغاربة يتطلعون إلى أن يبقى وطنهم نموذجا في الاستقرار والتنمية، بعيداً عن كل مظاهر الاحتقان وعدم اليقين.

ومع اقتراب أي محطة انتخابية، تزداد الحاجة إلى ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإفساح المجال أمام الكفاءات الوطنية النزيهة، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ويجعل من الانتخابات محطة حقيقية للتغيير والإصلاح، لا مجرد استحقاق دوري. كما أن مكافحة الفساد، في إطار القانون والمؤسسات القضائية المختصة، تظل ركيزة أساسية لبناء مغرب أكثر عدلا وإنصافا. ويظل رصيد المغرب الحقيقي هو تلاحم العرش والشعب، والالتفاف حول الثوابت الوطنية، والعمل المشترك من أجل تحقيق التنمية الشاملة، وصيانة الاستقرار، وترسيخ دولة المؤسسات. فالمغاربة، داخل الوطن وخارجه، يتقاسمون أملاً واحدا يتمثل في رؤية بلدهم أكثر تقدما وعدالة وازدهارا، وقادرا على تجاوز مختلف التحديات بحكمة ووحدة وتضامن.

إن الوطن مسؤولية الجميع، والإصلاح مسؤولية الجميع، والحفاظ على استقرار المغرب لا يتعارض مع المطالبة بالإصلاح، بل إن الإصلاح الجاد هو الضامن الحقيقي لاستمرار الاستقرار وترسيخ التنمية. ومن هذا المنطلق، فإن الحوار الصادق، والإرادة السياسية، واحترام القانون، وتغليب المصلحة العليا للوطن، تبقى السبيل الأمثل لبناء مغرب قوي، مزدهر، وعادل، يحقق تطلعات جميع أبنائه.
📲 Partager sur WhatsApp